تصاعد التوتر بين تونس وأطراف ليبية ينبئ بصيف ساخن

تعيش العلاقات التونسية الليبية حالة مخاض عسير على وقع تجاذبات سياسية ودبلوماسية أضفى عليها التوتر الذي تصاعدت حدته خلال الأيام الثلاثة الماضية وسط تطورات أمنية خطيرة، ظلالا عاتمة قد تدفع باتجاه إعادة ترسيم الخلافات التي تجعل الباب مفتوحا على كل السيناريوهات المحتملة.
الأربعاء 2015/05/20
ميليشيا "فجر ليبيا" تؤجج التوتر بين ليبيا وتونس

تونس – ليس خافيا أن العلاقة بين تونس وليبيا لا تخلو من الخلافات بالنظر إلى أن ليبيا تموج بالاضطراب في كل أركانها تقريبا، وتونس مازالت تتلمس الطريق نحو دبلوماسية متوازنة تمكنها من تفادي تداعيات اختلاط أوراق الأزمة الليبية بتعقيداتها، وتشابك عناصرها الإقليمية والدولية.

وساهمت ضبابية المشهد الليبي في جعل تونس تواجه متاعب وتحديات متنوعة تبدأ بما هو اقتصادي واجتماعي ولا تنتهي عند الملفات الأمنية والعسكرية التي أصبحت ضاغطة أكثر من أي وقت مضى بعد أن انفلتت ميليشيا “فجر ليبيا” الموالية لجماعة الإخوان المسلمين من عقالها، وراحت تختطف التونسيين في ليبيا بشكل عشوائي في عملية ابتزاز للسلطات التونسية وُصفت بـ”الرخيصة”.

وقالت تقارير إعلامية إن ميليشيا “فجر ليبيا” قامت أمس الثلاثاء باختطاف المزيد من التونسيين المقيمين في العاصمة طرابلس، ليضافوا إلى نحو 172 تونسيا اختطفوا السبت الماضي على خلفية اعتقال السلطات الأمنية التونسية وليد القليب أحد القادة الميدانيين لميليشيا “فجر ليبيا” بمطار تونس قرطاج الدولي بتهمة الضلوع في أعمال إرهابية.

وترافقت هذه التطورات الأمنية مع أزمة سياسية حادة بين السلطات التونسية مع الحكومة الليبية الشرعية برئاسة عبدالله الثني المنبثقة عن البرلمان المنتخب، بسبب تصريحات سابقة للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي شكك فيها في شرعية حكومة الثني، وأكد فيها استعداده للتعامل مع حكومة طرابلس غير الشرعية المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

منذر ثابت: ما يجري حاليا يستهدف تحويل تونس إلى قاعدة خلفية لتحرك عسكري في ليبيا

ويرى مراقبون أن مثل هذه المواقف التي تعكس تخبطا في تحديد بوصلة اتجاهات بوصلة الدبلوماسية التونسية، ساهمت بشكل أو بآخر في تعميق المأزق الذي تعيشه تونس الآن مع ليبيا، وهو مأزق بات يُقرب احتمالات الذهاب بعيدا في المواجهة، وإن أخذت صيغة ترحيل مؤقت لحالة الصدام.

وللإشارة فإن رئاسة الجمهورية التونسية نفت، أمس، وجود أي اعتراف رسمي بحكومة طرابلس، موضحة أن هناك واقعا يفرض نفسه على الحدود الجنوبية للبلاد يجب أن تتعامل معه الدولة التونسية ويتمثل في وجود طرف سياسي في طرابلس ومصالح حيوية وجالية تونسية، حسب ما ورد في تقارير إذاعية محلية.

وبحسب المُحلل السياسي التونسي منذر ثابت، فإن المُعادلة السياسية التي تحكم العلاقات بين تونس وليبيا بدأت قواعدها الأمنية والعسكرية تتحرك بسرعة قياسية تُنبئ بتطورات ساخنة على أكثر من جبهة.

وقال لـ”العرب”، إن من يقود العلاقات الخارجية لتونس ”لم يتفطن إلى أن المرحلة الراهنة تُعتبر مفصلية لأنها تقوم على صراع محاور وتكتلات دولية لا يمكن القفز فوقه برز في أعقاب هندسة دولية إنهارت، لتُصبح على أعتاب إعادة تشكيل علاقات دولية على أسس جديدة”.

واعتبر أن الموقف التونسي تجاه ليبيا الذي عبّر عنه الرئيس الباجي قائد السبسي “لا يتفق مع خصوصية الرهانات المطروحة، لأن المطلوب من الموقف التونسي أن يكون محايدا، غير أن الظرف الراهن لا يقبل الحياد، وكان لا بد من حسم الموقف والانتصار لطرف دون الآخر على قاعدة الشرعية”.

ويُشاطر هذا الرأي، حزب “المسار الديمقراطي الاجتماعي” التونسي الذي لم يتردد في مطالبة سلطات بلاده “بقطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة ليبيا غير الشرعية والمتعاطفة مع الإرهاب”، وذلك في إشارة إلى حكومة طرابلس.

وكانت غالبية الأوساط السياسية التونسية قد انتقدت انفتاح تونس الرسمية على حكومة طرابلس، وحذرت من تداعياته الخطيرة، واعتبرت ذلك دليلا على تخبط الدبلوماسية التونسية.

ويُقر منذر ثابت في تصريحه لـ”العرب” بوجود مثل هذا التخبط، ولكنه يرى أنه “ليس بغريب على توجهات الحكومة التونسية التي خلطت بين التوفيق والتلفيق”.

واعتبر أن هذه الأزمة مرشحة للتفاعل على أكثر من صعيد، ذلك أن ما يجري حاليا” ليست سوى حركات تسخينية لحرب إقليمية عبر تسريع تحويل تونس إلى قاعدة خلفية لتحرك عسكري مُرتقب في ليبيا”.

ولا يخرج الانطباع السائد لدى المهتمين بالشأن الليبي عن دائرة التكهنات بحرب قادمة، قد تسبقها اصطفافات موازية، ترسم في أفقها تغييرات عملية يمكن أن تساهم في بلورة معايير جديدة قد تساهم في تعديل قواعد الاشتباك، مع الإبقاء عليها مشتعلة ومتأججة.

ويبدو أن المناخ السائد حاليا يدفع نحو تحريك الوضع باتجاه فرضيات مختلفة تتشارك في الاستنتاج ذاته سلسلة لا تنتهي من التوقعات المبنية على تقاطعات وحسابات تُنبئ بصيف ساخن في المنطقة بحكم أن الاصطدام القائم في السياسة وعلى الأرض، وعلى طول جبهة المواجهة داخل ليبيا بين الجيش الوطني وميليشيا “فجر ليبيا” ، يجعل من خطوط النار المتنقلة في كل الاتجاهات قابلة للاشتعال في كل لحظة.

2