تصاعد الجدل الفكري بشأن مستقبل نظام الاقتصاد الرأسمالي

الجمعة 2014/06/06
بحث توماس بيكيتي يمتد الى 200 عام و20 بلدا ليثبت أن النظام الرأسمالي لم يعد صالحا لإدارة الاقتصاد

لندن – اشعل كتاب المفكر الفرنسي توماس بيكيتي الذي يحمل عنوان “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” الجدل في الأوساط الاقتصادية بشأن مستقبل وخطورة الأسس التي يستند إليها نظام الاقتصاد الرأسمالي وخاصة في الدول الغربية، فيما يتعلق بتسارع تمركز الثروة واتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء.

اتسع الجدل بشأن آليات نظام الاقتصاد الرأسمالي منذ تفجر الأزمة المالية العالمية في عام 2008 بشأن قدرته على مواكبة آليات النشاط الاقتصادي المتغيرة بشكل متسارع وقدرته على التأقلم والاستجابة لها.

ودخل الجدل مرحلة جديدة هذا العام بعد صدور كتاب “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” للمفكر الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي الذي يركز على خطورة اتساع الفجوة بين الاغنياء والفقراء على مستقبل نظام الاقتصاد الرأسمالي في الدول الغربية.


ظاهرة عالمية


وسرعان ما أصبح الكتاب من أكثر الكتب مبيعا وهو أمر نادر لكتاب في النظرية الاقتصادية، بل إنه أصبح بصورة غير متوقعة، ضرورة ملحة لجميع قادة قطاع الأعمال والمسؤولين والسياسيين، بل إنه أصبح ظاهرة عالمية بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية.

ويحذر بيكيتي في كتابة من خطورة اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء والعواقب الاجتماعية الخطيرة للأسس التي يدار بها الاقتصاد في البلدان الغربية.

وتصل قسوة تحذير إلى إن ثروة الأثرياء ستواصل التوسع لتطبق على كامل الثروة العالمية خلال 50 عاما إذا استمر التساهل الضريبي مع الأثرياء.

ولمعالجة ذلك يدعو الى فرض ضريبة عالمية على الأثرياء كي لا يتهربون من الضرائب من بلد لآخر، ولكي لا تقدم الدول تسهيلات لاستقطاب أموالهم من الدول الأخرى.

بول كروغمان (نوبل للاقتصاد): الكتاب سيؤدي لمراجعة فلسفة بناء المجتمع والأسس التي نبني عليها الاقتصاد


احتفاء واتهامات


ورغم الاحتفاء العالمي الواسع بكتاب بيكيتي إلا أنه تلقى اتهامات واسعة وهو أمر متوقع باعتبار أن الكتاب يحرض السلطات للحد من نمو ثروات الأثرياء، وما يتبع ذلك من اتهامات بالشيوعية والماركسية، خاصة أن عنوان كتابه يحيل حتما الى كتاب كارل ماركس الشهير “رأس المال” الذي صدر قرب منتصف القرن التاسع عشر.

الغريب أن بيكيتي يؤكد أنه لم يقرأ كتاب كارل ماركس.

يقدم بيكيتي بحثا واسعا يغطي نحو 200 عام ونحو 20 بلدا، ليثبت المنحى التاريخي الخطير لتسارع نمو الثروات واتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء واضمحلال الطبقة الوسطى بانضمام معظم أفرادها الى الطبقة الفقيرة.

ويستنتج بيكيتي من خلال ذلك الرصد الواسع إلى أن العالم الغربي يعود بشكل متسارع الى مستويات تركز الثروة في الفترة الممتدة من 1871 الى عام 1914، التي عرفت بالظلم الاجتماعي ومستويات الفقر الشديدة.


اتهامات متبادلة


ورغم الاهتمام الواسع بالكتاب إلا أنه تلقى نقدا لاذعا من صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، التي قالت إن المفكر الفرنسي استند الى أرقام غير دقيقة بشأن اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وأنه كان انتقائيا في اختياره للمعلومات أو اهمالها.

واستنتجت الصحيفة أن بيكرتي لم يقدم ما يكفي من الأدلة الحقيقية والأصيلة لإثبات نظريته بأن الأثرياء أصبحوا يجمعون ثروات كبيرة بإيقاع أسرع، يكرس اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء في أوروبا والولايات المتحدة.

وقد رد بيكيتي باتهام الصحيفة بعدم المهنية وعدم الأمانة. وقال إن نقدها للفكرة المحورية حول اتساع الفجوة بين الفقراء أمر سخيف.

وقال إن “نقد فايننشال تايمز تافه لأن جميع البيانات والمؤسسات الاقتصادية تقر بأن الفجوة تتسع بإيقاع متسارع.”

وأضاف أن كون البيانات لا تتسم بالكمال لا يدحض محور نظريته عن اتساع فجوة الثروة. وأكد أن الصحفية لم تكن صادقة في زعمها أن ذلك يؤثر على خلاصة البحث في حين أن عدم الدقة المطلقة للبيانات لا تؤثر إطلاقا على استنتاجات الكتاب. وأشار إلى أن جميع الدراسات الحديثة تدعم خلاصة البحث.

وقال بيكيتي إنه وضع كافة البيانات على الانترنت لتشجيع النقاش الشفاف والبناء. وأكد أن ما طرحه قابل للتطوير في المستقبل، لكنه يستبعد أن يؤثر ذلك بشكل كبير على استنتاجه بشأن تسارع تركز الثروة في عدد قليل من الأشخاص.

الكتاب الذي صدر عن دار جامعة هارفارد للنشر في نحو 577 صفحة، نفذت طبعته الأولى فور صدورها، فأصدرت الدار العديد من الطبعات منذ ذلك الحين.

فايننشال تايمز: مشكلة الكتاب إشارته لتمركز الثروة في بريطانيا وهو ما لا تدعمه المصادر


"هفوة" بيكيتي


ويبدو أن استخدام بيكيتي للمعلومات والأرقام البريطانية هو الذي أثار نقد صحيفة فايننشال تايمز. وكتب المحرر الاقتصادي للصحيفة كرس غيلز، الذي أطلق حملة النقد إن مشكلة الكتاب الأكثر حدة هي أنه يشير الى تزايد تركز الثروة في بريطانيا منذ عام 1980 في حين أن المصادر لا تظهر ذلك.

فقد أشار بيكيتي إلى أن 10 بالمئة من البريطانيين يملكون 71 بالمئة من الثروة، في حين يظهر مسح واسع لمكتب الاحصاء البريطاني أنهم يملكون 44 بالمئة. ويقول بيكيتي أن بيانات مكتب الاحصاء ليست دقيقة في حين تقول الصحيفة إن بيكيتي لم يطلع على البيانات البريطانية.

ورفضت الصحيفة اتهامات بيكيتي بأن نقدها سخيف ويفتقر الى الأمانة. ودافعت عن مسح مكتب الاحصاء البريطاني للثروة، قائلة إنه يشبه تماما البيانات التي اعتمدها بيكيتي عن الولايات المتحدة، بل إنها أشمل من حيث العينة التي اعتمدتها.

وحظي الكتاب بموقع متقدم في أكثر الكتب مبيعا في العالم بحسب موقع أمازون وبالثناء من شخصيات عالمية كثيرة، بينهم المفكر الأميركي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد بول كروغمان والمستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي باراك أوباما.

وقال بول كروغمان في تعليق في صحيفة نيويورك تايمز إن سيصدم كل من يعتقد بأنه تم دحر عدم العدالة في توزيع الثروات، وأن الكتاب سيؤدي لمراجعة فلسفة بناء المجتمع والأسس التي نبني عليها الاقتصاد.

11