تصاعد الخطاب العنصري في أوروبا: الإسلاموفوبيا مرض مزمن

تهتز قيمة التسامح في أوروبا شيئا فشيئا تحت وقع التأويل المغلوط لمشكل الإرهاب، وهو واقع بدأت بوادره في الظهور مع موجات العنصرية وخطاب التمييز ضد الجالية المسلمة في أوروبا بعد كل عملية إرهابية تحدث في إحدى العواصم. وقد كشفت الأحداث أن الإعلام في أوروبا اليوم غير قادر على ضبط إيقاع السلم الاجتماعي الذي يعتبر إحدى أهم الوظائف المناطة بعهدة وسائل الإعلام، فيصير الخطاب السياسي أسلحة لتصفية الحسابات وصراع الخصوم على حساب المسلمين.
الخميس 2015/11/26
الإجراءات الأمنية بدورها تأثرت بتوجيه الرأي وأصبحت تحتاط أكثر من المسلمين

مع كل جولة من جولات الإرهاب الذي يضرب ضربته القاتلة، تطفو على السطح علاقة الإسلام بهؤلاء المنتحرين والمفخخين باسم الدين داخل أسوار أوروبا وغيرها من بلاد العالم، فهي قضية يستغلها البعض في الغرب بشكل عنصري وانتهازي لتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم، والضحايا الأول لتلك العنصرية وذلك الإرهاب هم الجاليات المسلمة.

فالإرهاب لا يفرق بين مسلم ومسيحي ويهودي وبوذي ومن لا دين له، ولا تهمه الديانات والشرائع ودعوتها المقدسة إلى نبذ العنف وترويع الآمنين. الإرهاب أعمى في ما يتعلق بتنوع الجنسيات واللغات والطوائف والعرقيات، يذبحهم دون أي وازع أخلاقي أو ديني أو إنساني. ومع كل جولة إرهابية، تنتعش العنصرية والكراهية ضد المسلمين أيا كانوا وحيثما سكنوا، عنصرية لا تعترف بمسلم يستمد سلوكه اليومي من مبادئ وقواعد أسسها الإسلام ومن صميم دعوته، تحث على احترام الغير وعدم الاعتداء عليه والعناية به والتضامن معه.

ليس غريبا أن تتواتر الادعاءات الكاذبة ضد الإسلام صاحب الرسالة العالمية بأنه محرض هؤلاء القتلة على كل الجرائم التي اقترفوها ضد البشر والحجر والحيوان. فهناك فئة من السياسيين العنصريين يهمهم تحوير الحقائق ويعملون جاهدين على تشويه معان سامية أتى بها هذا الدين منذ 14 قرنا. والغاية من ذلك إثارة النعرات والفتن، والتفنن في خلق الخصوم لتبرير التدخلات العسكرية وإطلاق اليد في قتل الأبرياء واستلاب المقدرات. والأدهى تطويق قيم الاعتدال والتسامح والتساكن التي يدعو إليها الإسلام. يتناسى هؤلاء أن أغلبية المليار وستمئة مليون من المسلمين بجميع عرقياتهم ومرجعياتهم التاريخية والثقافية لا يبررون الأعمال البربرية المتوحشة لمن يدعي زورا أنه يمثل الإسلام بوجه قبيح ظالم، ولا يستسيغون قتل الأبرياء وترويع الآمنين.

على مدى سنوات وعقود لم تسلم الجالية المسلمة بالديار الأوروبية من اعتداءات عنصرية بسبب انتمائها وعقيدتها، وستزداد حدة بعدما ضغط الإرهاب الداعشي على زر هجماته وإيغاله في سفك دماء الأبرياء. فهي عنصرية ستتأجج بفعل نفخ صحفيين وسياسيين انتهازيين يعرفون بالغريزة متى وأين يضغطون على الجرح، لربح بعض المربعات داخل المجتمع وبعض مؤسسات الدولة.

الإرهاب قضية يستغلها البعض في الغرب بشكل عنصري وانتهازي لتصفية الحسابات السياسية

وقد ظهر ذلك السلوك بشكل واضح ومباشر بعد أحداث باريس الإرهابية، حيث كتبت عبارات عنصرية في الشوارع الفرنسية، ورسوم من قبيل الصليب على أماكن عبادة المسلمين بالبلاد ومتاجرهم. فما معنى أن نجد بين تلك العبارات “فرنسا استيقظي”، و”تحيا فرنسا الحرة”، أو “فرنسا للفرنسيين”؟

وانتقلت ظاهرة العنصرية إلى إيطاليا مع صحيفة “ليبيرو” الإيطالية اليمينية، التي عملت على التحريض على الكراهية الدينية وإهانة المسلمين ودينهم، بعدما قامت بنشر “مانشيت” تحت عنوان “المسلمون الأوغاد”.

إنه مسلسل طويل من سوء تفسير للإسلام كدين وعقيدة، وسوء فهم لطبيعة ونفسية المسلم. فوسائل الإعلام مثلا حتى وإن أظهرت غير ذلك تركز على جوانب دراماتيكية للعنف والإرهاب وتجعلهما طابع الإسلام المميز، وتشيطن كل ما له علاقة بالإسلام. وبمثل هذا السلوك الصادر عن المسؤولين وصناع الرأي بأوروبا ستستعر مشاعر الكره والعنصرية لدى الكثير من المواطنين الأوروبيين ضد كل الجاليات المسلمة، كون هؤلاء لا يفرقون بين مسلم يحترم حق الآخر في الحياة والعيش، وآخر يردد كلمة “الله أكبر” دون أن يعي مغزاها الحقيقي. فلماذا هذا الموقف المنحاز إلى العنصرية واستغلال حرية التعبير والرأي لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين؟

هناك من جادل بأن حرية الرأي مكفولة بالغرب، لكن إشاعة روح الكراهية والعنصرية جريمة يعاقب عليها القانون كونها تلوث روح التعايش والسلم بين المواطنين بجميع تشكيلاتهم. ونحن مع حرية الرأي، لكن الحرية المسؤولة والبعيدة عن أجندات مبيتة وخطيرة تتسم بالخبث والدهاء في خلق العداوات والحث على الحروب بين الفئات والشعوب وتهديد السلم المحلي والعالمي.

العقلانية المنبثقة عن عصر الأنوار وروح الانفتاح لم تحد من فوران التعصب في أوروبا نتيجة العمليات الإرهابية

فالعقلانية المنبثقة من عصر الأنوار وروح الانفتاح التي تمليها روح العصر لم تَحُدَّ من فوران التعصب الذي تتولد عنه عدوانية لا تليق بحقوق الإنسان وبما تدعو إليه المواثيق الدولية. ولن تساعد في تقويض أسانيد الإرهاب والتطرف.

لا يمكن غض الطرف عما يصدر عن الإعلام الغربي واليمين العنصري من استغلال لأوقات الأزمات مثل ما حدث في باريس، بهدف تشويه معالم الدين الإسلامي السمح المعتدل عبر صياغة صورة مشوهة ونمطية له وللمسلمين. والغاية من وراء ذلك تأجيج مشاعر الغضب والكراهية ضد كل المسلمين عبر قولبة تفكير المتلقي الأوروبي وإدخاله في دوامة محبوكة من الأكاذيب والشائعات وتعميم صفة المتطرف والإرهابي على كل من يدين بديانة الإسلام.

إن الإسلاموفوبيا تحولت إلى خوف مزمن من المسلمين المقيمين داخل المجتمعات الأوروبية مع تمايزات بسيطة من بلد إلى آخر، والعنصرية أمست الوجه الآخر للإرهاب العدواني المتسلط.

هذه العنصرية والكراهية الممقوتة من قبل كل الديانات، لم تقابلها سوى أصوات غربية قليلة نددت بهذا التمادي في الإساءة إلى دين وتاريخ وحضارة ساهم أبناؤها في بزوغ فجر من العطاءات الفكرية والعلمية والمعمارية.

وأنكر هؤلاء الحكماء أن تكون العنصرية حلا لمواجهة الإرهاب. ومنهم الصحفي الإيطالي جيوفاني ماريا بيلو، رئيس ميثاق روما، الذي قال إن بعض الصحف تضع “مانشيتات” وعناوين كبيرة تسبّ الإسلام دون أدلة باعتباره مسؤولا عن هجمات باريس.

13