تصاعد القلق من اندلاع فتنة عشائرية ومذهبية في البقاع اللبناني

الجمعة 2016/05/27
اليد على الزناد

بيروت - تعيش منطقة البقاع الشمالي في لبنان توترا مقلقا قد ينذر بصدام عشائري وطائفي طالما سعت فعاليات البلد إلى تجنبه.

وتصاعد التوتر منذ أن وجد ابن مدينة عرسال حسين الحجيري مقتولا على ضريح الجندي اللبناني محمد حمية في واقعة تشبه الحكايات الدرامية المثقلة بصراعات القرى والعائلات والعشائر.

وتقع مدينة عرسال في شمال محافظة البقاع وهي مدينة سنّية داخل محيط بقاعي أغلبه شيعي.

وعبّرت عرسال منذ اللحظات الأولى لاندلاع النزاع في سوريا عن تضامنها ووقوفها مع المعارضة ضد نظام بشار الأسد، وهو الأمر الذي يقف وراء توتر العلاقة بينها وبين قرى المنطقة المحيطة والتي يهيمن عليها حزب الله.

وطالما اتُّهمت المدينة من قبل حزب الله وحلفائه بأنها بؤرة لإرسال الانتحاريين والسيارات المفخخة باتجاه مناطق الحزب، وأنها وراء العمليات التي كانت تستهدف قوافل الحزب الشيعي المتجهة للقتال في سوريا.

وتأوي المدينة الآلاف من اللاجئين السوريين الذين يوفّرون بيئة حاضنة لمسلحي المعارضة، لا سيما أؤلئك المنتمين إلى تنظيم النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، وفق رواية حزب الله.

ويحاصر الجيش اللبناني المدينة حماية لها ووقاية من تسلل المسلحين السوريين من جرودها نحو الداخل اللبناني. ولا يخلو أسبوع إلا ويتعامل الجيش اللبناني مع تحركات المسلحين قصفا أو من خلال عمليات مباغتة مباشرة.

الأوساط المعارضة لحزب الله تحمله مسؤولية إضعاف الدولة وأدواتها وتقويض هيبتها على النحو الذي يتيح الفوضى

ويقول مراقبون إن مدينة عرسال تعتبر تمردا مذهبيا على هيمنة شيعية يقودها حزب الله، وأن أي خطط لوصل منطقة البقاع، لا سيما الشمالي، بـ”سوريا المفيدة” التي يتحدث عنها بشار الأسد، تتطلب إزالة ظاهرة عرسال وتميّزها المذهبي والسياسي.

وقد رصدت أوساط أمنية خططا كانت تعد لجر الجيش اللبناني للتعامل مع المدينة كما سبق وتعامل مع ظاهرة أحمد الأسير في صيدا ومع ظاهرة “فتح الإسلام” في مخيم نهر البارد شمال لبنان، لكن الظروف لم تسمح بتمرير خطط من هذا النوع حتى الآن.

واشتهرت المدينة دراماتيكيا حين قام مسلحون قيل إنهم تابعون لجبهة النصرة وتنظيم داعش في صيف 2014 بخطف عناصر من الجيش اللبناني من داخل مدينة عرسال نحو جرودها.

وأقدم الخاطفون في مرحلة معينة من تعثر المفاوضات على إعدام عدد من المخطوفين كان منهم الجندي محمد حمية ابن معروف حمية الذي اعترف علنا أمام كاميرات التلفزيون بأنه وراء خطف وقتل الشاب حسين الحجيري ووضع جثته على ضريح ولده في مدافن بلدة طاريا.

ولا شأن للقتيل حسين الحجيري بمقتل الجندي حمية، فالشاب هو ابن شقيق أحد وجهاء عرسال المدعو مصطفى الحجيري والملقب بـ”أبو طاقية” والذي فاوض جبهة النصرة، بتكليف من السلطات اللبنانية، وفشل في إطلاق سراح المختطفين. آل الجندي القتيل يحمّلون مصطفى الحجيري وعرسال مسؤولية مقتل ولدهم، فيما القاتل معروف حمية يعد بأن الثأر لن ينتهي هنا وأن رؤوسا أخرى ستقع انتقاما لنجله.

إن الجريمة المرتكبة منذ أيام هي جريمة ثأر في الأعراف العشائرية، ما يعني أن القتل سيجر قتلا مضادا، لكن الأكثر جسامة أن القاتل شيعي والقتيل سني ما قد يزيد من تسعير فتنة مذهبية لا تحمد عقباها.

وقد تدخلت المراجع السياسية والدينية السنّية للضغط على العرساليين لضبط النفس وترك القضاء يعالج المسألة، بينما مازالت القوى الأمنية تقوم بالمداهمات وتلاحق القاتل رغم أن وسائل الإعلام وصلت إليه وأجرت مقابلة تلفزيونية معه.

واللافت أن أوساط حزب الله وبيئته ووسائل الإعلام القريبة منه، وإن كانت استنكرت الجريمة، إلا أنها وفّرت لها مسوغات تبريرية متواكبة مع تفهم ودعم للقاتل، فيما الأوساط المعارضة للحزب تحمله مسؤولية إضعاف الدولة وأدواتها وتقويض هيبتها، على النحو الذي يتيح الفوضى في الاقتصاص الذاتي وتسخيف القضاء.

وهذا ليس جديدا على حزب الله الذي يمتلك ترسانة من الأسلحة، يحتكم إليها لضرب خصوم الداخل كما حصل في 7 مايو 2008، ويوظفها في حروب إيران الإقليمية (سوريا، واليمن).

وتحث الأوساط اللبنانية الجيش اللبناني للتحرك فورا واعتقال القاتل لسحب فتيل أزمة كبرى في المنطقة، كما تحث

الفعاليات السياسية لرفع الغطاء الذي قد يحمي القاتل ويوفّر أجواء لتفشي الفوضى والعبث ويفتح الباب على مصراعيه أمام فتنة عشائرية وأخرى مذهبية قد تنتشر إلى مناطق تماس مذهبي أخرى، ناهيك أن جريمة قتل الحجيري قد تعقّد ملف العسكريين المخطوفين والذين لم تشملهم الصفقة مع النصرة وقيل إنهم باتوا في يد داعش.

2