تصاعد خطاب الكراهية داخل البرلمان يثير استياء التونسيين

استنكار واسع لتصريحات نائب عن ائتلاف الكرامة يهاجم فيها حقوق المرأة.
الأحد 2020/12/06
حقوق المرأة.. خط أحمر في تونس

استنكرت أوساط سياسية وحقوقية في تونس تصريحات النائب عن حزب ائتلاف الكرامة المشارك في التحالف الحكومي، محمد العفاس، التي أهان فيها المرأة التونسية كما هاجم مدنيّة الدولة، وسط دعوات إلى رفع الحصانة عنه ومطالبته بالاعتذار بعد تقديمه خطابا متطرفا يحرض من خلاله على الكراهية والعنف ضد النساء.

تونس - أثارت تصريحات نائب برلماني عن ائتلاف الكرامة الإسلامي استياء واسعا بين الأوساط البرلمانية والشعبية التونسية، بعدما هاجم المرأة التونسية ووصفها بنعوت جارحة منتقدا حريتها وتمسكها بمجلة الأحوال الشخصية الضامنة لحقوقها وحرياتها.

وقال العفاس، خلال مناقشة ميزانية وزارة المرأة “هم يتكلمون عن حرية المرأة، ونحن نعتبرها حرية الوصول إلى المرأة، ما يسمونه حرية نسميه تحررا، وهو أن يكون المرء عبدا للموضة والغرب والشهوات ولدعوات الفسق والفجور.. المرأة عندهم سلعة رخيصة مكشوفة لمن هبّ ودبّ، وعندنا جوهرة غالية نفيسة محفوظة”.

وأضاف “مكاسب المرأة عندهم الأمهات العازبات، الإنجاب خارج إطار الزواج، الحق في الإجهاض، ممارسة الرذيلة، الشذوذ الجنسي.. ونقول لهم، إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم… ما أنزل الله بها من سلطان، الأمهات العازبات هن إمّا عاهرات أو مغتصبات، الإنجاب خارج إطار الزواج هو زنا، الإجهاض هو قتل نفس بغير حق، الحرية الجنسية عهر”.

راضية الجربي: خطاب النائب يشرّع للعنف ضد النساء، ولا يمكن قبوله

واستنكر كثيرون خطاب العفاس الذي شدّد فيه على وجود جهتين متضادتين، وكأنه يقسم البلاد إلى دولتين، مصرا على استخدام ثنائية “نحن” و”هم” طوال خطابه، مهاجما الأحزاب المدنية والديمقراطية، ومقللا من شأن النظام المدني “البورقيبي” ومعتبرا أن الاتجاه الإسلامي المتشدد الذي ينتمي إليه هو الاتجاه الصائب.

وائتلاف الكرامة، هو أحد الأحزاب الإسلامية في تونس وهو حليف لحركة النهضة في البرلمان وخارجه، ولنوابه (18 نائبا) صولات وجولات داخل البرلمان كان أبرزها رفعهم صور الرئيس المصري محمد مرسي، ومحاولتهم المتكررة تضييق الحريات على الصحافيين التي بلغت حد منعهم من دخول البرلمان ومواكبة جلساته.

وانسحب عدد كبير من النواب مندّدين بتصريحات العفّاس، فيما طالبت رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، باستعجال عقد اجتماع استثنائي للتداول في إدانة تصريحات النائب عن كتلة ائتلاف الكرامة.

واعتبرت موسي أن تصريحات العفاس فيها مس وإهانة للمرأة التونسية، مشدّدة على ضرورة إصدار اعتذار رسمي من البرلمان لجميع نساء تونس.

ووجهت موسي المقترح إلى من اعتبرتهم القوى المدنية، في صورة رفض رئاسة المجلس عقد اجتماع، لطلب عقده من قِبل ثلث الأعضاء وإصدار الموقف الضروري.

وذكرت وسائل إعلام محلية أنّ رؤساء الكتل في البرلمان يبحثون طرق الردّ على النائب محمد العفاس بسبب تصريحاته المهينة للمرأة.

واقترح النواب إمضاء عريضة أو طلب نقاط نظام خلال الجلسة المنعقدة يوم السبت، أو تطبيق الفصل 118 من النظام الداخلي للمجلس والذي يسمح لهم بالرد عليه إثر انتهاء أشغال الجلسة.

كما طالب عدد من السياسيين والحقوقيين برفع الحصانة عن النائب بعدما قدم خطابا اعتبره الكثيرون متطرفا.

وأدان الاتحاد الوطني للمرأة التونسية في بيان، السبت، بشدة العبارات الواردة في خطاب النائب واصفا الخطاب بـ”الحاقد الذي يعد وصمة عار على مجلس يخلف المجلس التأسيسي الذي صادق على دسترة مجلة الأحوال الشخصية ومنحها مكانة خاصة في سلم القوانين، ومجلس صادق سنة 2017 على اعتبار القانون الشامل المناهض للعنف قانونا أساسيا”. واعتبر الاتحاد تصريحات النائب بمثابة “تحقير وترذيل للمرأة واستهتار بما حققته وتعدّ على الحقوق الإنسانية والمواثيق الدولية”.

وأكدت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة، في تصريح لـ”العرب ” أن خطاب النائب لا يمكن قبوله بكل المقاييس، وهو يشكل خطرا لتبريره العنف ضد النساء. وأبدت الجربي استغرابها من صدور هذا الخطاب عن عضو بالبرلمان الذي دستر مجلة الأحوال الشخصية وأقر مدنية الدولة.

وأكدت الجربي أن خطاب النائب يشرّع للعنف ضد النساء، وأن تصريحاته ترتقي إلى مستوى جرائم. كما أدانت الخطاب لما يحمله من نبرة تقسيم للأسر التونسية.

بدورها، استنكرت جمعية النساء الديمقراطيات تصريحات العفاس قائلة إنه “اتهم نساء تونس بأبشع التهم، ونعتهن بأقبح النعوت، بل واعتبر النائب المذكور المنتخب بقانون مدني وبدستور وضعي أنه لا يعترف إلا بالشريعة وبتطبيق الأحكام الشرعية على الأمهات العازبات وعلى كل امرأة في تونس لا تلتزم بهذه الأحكام”.

ابتسام جمعة: أستغرب صمت وزيرة المرأة إزاء التصريحات المهينة

وذكّرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بمواقفها السابقة من مجلس النواب الذي انحدر إلى إطار لممارسة العنف السياسي المستهدف للنساء، وللخطاب المتطرف ولكل الممارسات المعادية للحريات وللحقوق بصفة عامة.

وندّدت جمعية “أصوات نساء” بما ورد في تصريحات النائب من “عنف لفظي ومعنوي مسلط على النساء”، منددة “بإلقاء الدستور والقوانين عرض الحائط من قبل نائب لا يعترف إلا بالشريعة وبتطبيق الأحكام الشرعية على الأمهات العازبات وعلى كل امرأة في تونس لا تلتزم بهذه الأحكام”.

وطالبت الجمعية النائب محمد عفاس بـ”الاعتذار أوّلا وقبل كل شيء إلى كل النساء التونسيات، ثم السهر على احترام الدستور واحترام القانون عدد 58 المتعلق بمناهضة العنف ضد النساء”.

ويعرف ائتلاف الكرامة، الذي يرأسه سيف الدين مخلوف، بمعاداته للحرية وأوجهها المختلفة، ويُثير الخطاب الذي يتبناه جدلا واسعا، خاصة وأنه يقدّم مبادرات تشريعية متوالية تعمّق حالة الانقسام التي يعرفها المشهد العام في تونس.

وتتخوف أوساط تونسية من الخطاب الذي أصبح يهدد المشهد، حيث وصفت بعض الكتل البرلمانية ممارسات كتلة ائتلاف الكرامة ومن ورائها حركة النهضة بـ”التغوّل”.

ويرى متابعون أن تصريحات النائب عن ائتلاف الكرامة المشارك في التحالف الحاكم والمثيرة للجدل، مجرد محاولة لإلهاء الشارع المستاء من تردي أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والصحية والمتمسك بخيار الاحتجاجات للتنديد بما آلت إليه الأوضاع.

وترى ابتسام جمعة، رئيسة جمعية نبض الوطن في تصريح لـ”العرب” أن تصريحات النائب عن ائتلاف الكرامة، والذي يشكل حليفا قويا لحركة النهضة، محاولة للتغطية على حادثة وفاة الطبيب والغضب الشعبي الذي رافقها، وذلك بالعودة إلى الجدل القديم بشأن مجلة الأحوال الشخصية.

وعمت مشاعر الغضب والحزن في تونس الجمعة، عقب حادث مأساوي تسبب في مقتل طبيب شاب في مصعد آلي معطب، في فاجعة تضاف إلى سلسلة من الكوارث جراء التقصير.

وأكدت جمعة أن تصريحات النائب محمد العفاس تمسّ من مدنية الدولة، متسائلة عن سبب صمت وزيرة المرأة إزاء التصريحات المهينة والتي فيها تقليل لدور المرأة التونسية في مجالات عدة.

وتملك تونس رصيدا مميّزا من النضال في مجال حقوق المرأة، وكانت سباقة في إرساء مدوّنة قانونية متفردة تعرف بـ”مجلة الأحوال الشخصية” منذ عام 1956، في وقت كان فيه وضع المرأة متأخرا، ليس في المنطقة العربية فحسب، ولكن أيضا في عدد من الدول الغربية.

 
2