تصاعد موجة هروب الأموال من الجزائر

الاحتجاجات تضيق الخناق على الأذرع الاقتصادية للحكومة، وأزمة الدينار وتبخر الاحتياطات النقدية يفاقمان متاعب الدولة.
الخميس 2019/03/28
حالة من عدم اليقين تضرب الجميع

تزايد التقارير التي تتحدث عن اتساع موجة هروب الأموال من الجزائر في ظل غموض آفاق الأزمة السياسية المتواصلة منذ أكثر من شهر. وأكدت تصاعد الفزع والارتباك داخل الحكومة وأذرعه الاقتصادية، التي تحاول تطويق مخاطر تلك الظاهرة.

الجزائر - أثارت التسريبات التي تحدثت عن تحويل رجل الأعمال رضا كونيناف، لمبلغ 90 مليون يورو، من أحد فروع بنك القرض الشعبي الجزائري بالعاصمة إلى الخارج، جدلا كبيرا لدى ناشطي الحراك الشعبي في البلاد.

ويأتي كونيناف، في صدارة لائحة الأذرع الموالية للسلطة، وأبرز الفاعلين والمؤثرين في الشأن الاقتصادي للدولة الغارقة في مشاكل اقتصادية متشعبة منذ أزمة النفط في منتصف 2014.

ويمثل رجل الأعمال إلى جانب بعض من أعضاء منتدى رؤساء المؤسسات، الذي يقوده رجل الأعمال علي حداد، اللوبي الذي يحتكر الاستثمارات الحكومية، ويضع تحت يده الحصة الكبرى من القيمة المالية المتداولة في السوق المحلية.

ودعا بيان أصدرته منظمة محامي العاصمة مسؤولي المصالح الأمنية والجمركية في المطارات ومراكز العبور، إلى تشديد الرقابة على حركة المسافرين، من أجل الحد مما أسموه بـ”الاستنزاف غير المسبوق لمخزون النقد الأجنبي، من طرف شخصيات ورجال أعمال مقربين من السلطة”.

رجل الأعمال رضا كونيناف قام بتحويل 90 مليون يورو من أحد فروع بنك القرض الشعبي الجزائري
رجل الأعمال رضا كونيناف قام بتحويل 90 مليون يورو من أحد فروع بنك القرض الشعبي الجزائري

وطالب المحامون من السلطات القضائية، بضرورة التحرك لـ”حماية الاقتصاد والثروات الوطنية من النهب والتهريب”، خاصة في مثل هذه الظروف التي يهيمن عليها الفراغ في المؤسسات، وتوجه جميع الأنظار والاهتمامات لتطورات الشأن السياسي.

وتعيش الجزائر منذ أكثر من خمسة أسابيع على وقع حراك شعبي غير مسبوق شمل كافة ولايات الدولة النفطية العضو في منظمة أوبك احتجاجا على محاولات النظام الحاكم مواصلة السيطرة على مفاصل الدولة بإعادة انتخاب نفس الوجوه القديمة.

وتحدثت مصادر متطابقة، خلال الأيام الأخيرة، عن تسارع وتيرة التحويلات المالية للخارج وسحب الأموال المودعة في حسابات الزبائن، تحسبا من طرف أصحابها لأي تغير في المؤسسات المالية يفرضه ضغط الحراك الشعبي.

وذكر خبراء ماليون أن اللغط الذي يحيط بمحيط البنوك والمصارف، هو نتيجة طبيعية لعدم الاستقرار السياسي في البلاد، فهناك من رجال المال من يريد تأمين ثروته في مناطق آمنة، وهناك من يخشى من المساءلة والحساب، خاصة بالنسبة للمحسوبين على السلطة أو المقربين منها.

وسبق لابنة أحد أشقاء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أن سحبت مبلغا مثيرا من العملة المحلية من أحد البنوك التجارية بالعاصمة، وتساءل المصدر الذي أورد الخبر، عن سر التواطؤ بين المعنية ومسؤول البنك، الذي سمح لها بسحب مبلغ يعادل 200 ألف دولار في عملية واحدة.

واضطرت إدارة بنك الجزائر المركزي إلى تقديم توضيحات للرأي العام، بشأن عملية السحب والتحويلات المالية نحو الخارج، وشددت على الصرامة في تطبيق النصوص التشريعية المصرفية في هذا المجال.

ومع ذلك تبقى تطمينات مسؤولي المركزي غير كافية في ظل تسارع وتيرة تحويل وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج، حيث تذكر إحصائيات صادرة عن إدارة الجمارك قبل اندلاع الحراك الشعبي، أنه تم حجز نحو 30 مليونا بين يورو ودولار، خلال الأشهر الأخيرة.

وتحدث مصدر أمني رفض الكشف عن هويته في تصريحات خاصة لـ”العرب”، عن وضع المصالح المختصة للعديد من رجال الأعمال تحت أعين المراقبة، تحسبا لأي تجاوزات يقومون بها، بسبب الشبهات التي تلف بهم.

ولم يؤكد المصدر ولم ينف الأنباء المتداولة حول سحب جوزات سفر ومنع الخروج على عدد من رجال الأعمال.

وفاقم انحدار سعر صرف الدينار في السوق السوداء من حجم الضغوط على الحكومة الجزائرية لمعالجة الشلل الاقتصادي الناجم عن انتشار الفساد والبيروقراطية.

ولدى كثير من المتابعين قناعة بأن الاقتصاد وصل إلى طريق مسدود في وقت أقرت فيه الحكومة بالحاجة إلى إصلاحات عميقة وشاملة.

مصدر أمني أكد لـ"العرب" أن العديد من رجال الأعمال الجزائريين باتوا تحت المراقبة بسبب شبهات تحوم حولهم

وعرفت العملة المحلية سقوطا جديدا في السوق الموازية، حيث يباع اليورو الواحد بأكثر من 220 دينارا، مما يؤكد الإقبال الواسع على شراء العملة الصعبة، والتخلص من العملة المحلية، بسبب عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه البلاد خلال الشهرين الأخيرين.

ويقول مختصون في الشؤون المالية إن حالة القلق التي تلف بالسوق المالية، تعتبر نتيجة طبيعية لغموض المشهد السياسي، وإن أسباب الإقبال على شراء العملة الصعبة من السوق الموازية أو في إطار التجارة الخارجية من السوق الرسمية، تختلف من شخص إلى آخر، بين من يبحث عن الملاذ الآمن لثروته، وبين من يريد الإفلات من المساءلة.

وتعتبر الأملاك والعقارات المملوكة لشخصيات في السلطة ولرجال أعمال مقربين منها، لاسيما في إسبانيا وفرنسا وتركيا ودبي، مصدر قلق حقيقي للخبراء والشارع الجزائري معا، باعتبارها أحد أوجه الفساد المستشري في مفاصل الدولة خلال العشريتين الأخيرتين، والذي استنزف مخزون البلاد من العملة الصعبة.

وفي مواجهة مشكلة تآكل احتياطاتها النقدية، لا تركز السلطات على جلب المزيد من العملة الصعبة إلى الخزينة العامة، بل على خفض الواردات حيث تفرض قيودا على حزمة من السلع من بينها السيارات.

11