تصاعد وتيرة الاعتداءات على الأطفال يؤرق الأسرة التونسية

مؤسسات التنشئة والتعليم تتحول إلى خطر يهدد سلامة الطفل، ما يجعل الآباء يفقدون الشعور بالاطمئنان على أبنائهم في البيت وخارجه.
السبت 2019/03/02
مرافقة لضمان السلامة

تتواتر الأنباء التي تتصل باعتداءات على الأطفال من مختلف الأنواع بشكل يومي في تونس، ما خلق لدى الآباء والأمهات حالة من القلق، إذ بات صعبا عليهم إيجاد السبل التي تخوّل لهم حماية أبنائهم وضمان سلامتهم من التهديدات المحدقة بهم في كل مكان تقريبا بداية من البيت إلى الشارع والمدرسة. وإلى جانب الاعتداءات بالعنف والتحرش والاختطاف شهد التونسيون موجة جديدة من التهديدات لأبنائهم في مؤسسات الرعاية والتعليم الحكومية والخاصة.

 تونس - أكدت العديد من الإحصائيات والدراسات الاجتماعية الرسمية تصاعد وتيرة العنف وزيادة الجريمة خلال السنوات الأخيرة في المجتمع التونسي ويمثل الأطفال أبرز ضحاياه، ويتلقى التونسي يوميا مجموعة من الأخبار التي تهم إلحاق الضرر بالطفولة من خلال شتى أنواع المخاطر والجرائم التي باتت ترتكب في حق الأطفال إلى جانب تعدد الجهات المتورطة فيها من أفراد ومؤسسات إلى المحيطين الأسري والاجتماعي.

ولا تقتصر هذه المخاطر المحدقة بالأطفال في تونس على الشارع بل تمتد إلى الفضاءات التي من المفترض نظريا أنها تحتضن الطفل وتحميه وتسهر على تعليمه وضمان سلامته، وتناقلت وسائل إعلام تونسية العديد من الأحداث التي تكشف أن بعض الفضاءات التربوية والتعليمية تحولت إلى خطر يهدد سلامة الأطفال وحقوقهم. بعض هذه الأحداث شكلت قضايا هزت الرأي العام التونسي لعل آخرها وأبرزها كانت قضية المدرسة القرآنية بمنطقة الرقاب التابعة لمحافظة سيدي بوزيد، والتي تبين أنها مقر لممارسة شتى أنواع الاعتداءات على حقوق الطفل.

وانتشرت في الأشهر الماضية العديد من الأخبار وتم تداول واسع لمقاطع فيديو توثق اعتداءات بالعنف والإهانة على أطفال صغار في المدارس والمحاضن ورياض الأطفال وحتى في مراكز الرعاية الحكومية المخصصة للاعتناء بذوي الاحتياجات الخاصة أو بمرضى التوحد والأطفال فاقدي السند وغيرهم. ويضاف إلى ذلك الاعتداءات على الطفل في الشارع حيث لم ينجُ من أشدّها قسوة ووحشية سواء بالتعنيف أو الخطف أو الاغتصاب أو أحيانا القتل وغيرها.

ورصد التقرير السنوي لنشاط مندوبي حماية الطفولة للعام الماضي 335 إشعارا بتهديدات طالت أطفالا في رياض ومحاضن للأطفال، مقابل 1780 إشعارا في معاهد ومدارس تربوية، وتشير الأرقام إلى تسجيل ارتفاع نسبي في عدد الإشعارات المتعلقة بالانتهاكات في حق الأطفال بتونس هذا العام.

ولا تخص تهديدات سلامة الطفل المجتمع التونسي، لكن ما يلفت الانتباه هو زيادتها وتنوعها وبلوغها درجة من البشاعة لم يعتد عليها التونسيون في الماضي القريب، فلا يكاد يمر يوم دون أن تذاع أخبار عنها بما يجعلها ظاهرة مفزعة ومثيرة للجدل في الأوساط العائلية، الأمر الذي شكل عبئا جديدا ملقى على عاتق الأسرة المطالبة بحماية وضمان سلامة أبنائها.

وتقول فاطمة الطرابلسي أم لطفلين وموظفة في حديث لـ”العرب”، “أصبحنا نفتقد الشعور بالاطمئنان على أطفالنا، لم أعد أثق في أن أبنائي بأمان إلا عندما يكونون معي، ونظرا للتغيرات التي يشهدها مجتمعنا، وخاصة منها السلبية، فقد رافقتها تغييرات في سلوكيات الأفراد وانتشر العنف اللفظي والبدني في الشوارع والفضاءات العامة، وخصوصا المدارس وأحيانا حتى داخل البيت بين أفراد العائلة”.

وتعتبر فاطمة أن أخطر الاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال اليوم في تونس تلك التي تحصل في الشارع، وتوضح “لذلك أصبح الأولياء، وخاصة الأمهات، يعيشون حالات من الذعر عند وجود أبنائهم في الشارع″، موضحة أن “كثرة جرائم الاختطاف والاغتصاب التي تفشت في تونس جعلت انتهاك حقوق الطفل والاعتداء عليه تشكل ظاهرة عامة، إذ لا يمر يوم دون أن نسمع بجريمة من هذا النوع مما جعل العائلات تخاف من ترك الطفل يخرج بمفرده حتى أمام باب البيت”.

 الطفل التونسي ما زال ضحية للعنف بمختلف أشكاله
 الطفل التونسي ما زال ضحية للعنف بمختلف أشكاله

ويقول الباحث في علم الاجتماع طارق بالحاج محمد إن “بعض مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي يفترض أنها تعمل على حماية الأطفال والشباب وتأطيرهم وتأهيلهم، تحولت اليوم إلى تهديد للجيل الجديد؛ يعصف بأمنه النفسي والاجتماعي ويهدد مستقبله. دولة مقصرة ومجتمع مضطرب وعائلة مفككة ومدرسة منفرة تلك هي حال مجتمعنا اليوم، والتي أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا للسلامة النفسية والجسدية لجيل برمته”.

ويضيف بالحاج لـ”العرب” أن بعض العائلات التونسية اليوم باتت إما مفككة أو عنيفة أو مستقيلة وقد فرّطت في مهمة التربية لمؤسسات التنشئة الاجتماعية البديلة وعوضت التربية بمجرد عملية إنفاق مادي، مؤكدا وجود أسر عنيفة، تسلط فيها أقسى درجات العنف على الأفراد في ما بينهم أو على الطفل باعتباره أضعف حلقة فيها: جرائم عائلية بالجملة، عنف أسري، تحرش جنسي، زنا محارم… هذه الصورة تجعلنا لا نستغرب ارتفاع العنف والانتحار والانحراف لدى الأطفال اليوم.

وفي ما يخص جميع مؤسسات التربية والتكوين انطلاقا من دور الحضانة ورياض الأطفال مرورا بالمدارس وصولا إلى الإعداديات والمعاهد، فإن المختص في علم الاجتماع يرى أنها بدورها تشكل منظومة تربوية عنيفة تمارس كل أنواع العنف النفسي والبدني على الأطفال، لأنها تقوم على العنف المسلط من الكهول وتنمي روح التنافس والغلبة لدى الأطفال عوض أن تعلمهم قيم التعايش والاندماج والابتكار.

بالرغم من قوانين حماية الطفولة في تونس إلا أن الطفل التونسي ما زال موضوعا وضحية للعنف بمختلف أشكاله فهو مستهدف بطريقة مزدوجة: أولا لأنّه طفل لا يستطيع حماية نفسه، وثانيا لأنّه يعيش في مجتمع تسلطي يبرر للعنف ويشرعه أحيانا. ويوضح بالحاج أن هذا العنف المسلط على الطفولة موجود في جميع مؤسسات التنشئة في المدارس والوسط الاجتماعي والمحيط العائلي ودور الحضانة ورياض الأطفال ومراكز الإيواء حيث يعد العنف المسلط على الطفل مألوفا وعاديا وأحيانا جائزا. ويردف المختص أن الخطورة ليست في العنف المادي والبدني فحسب بل في العنف اللفظي والتحرش الجنسي وجميع أشكال الاعتداءات والتهديدات لحقوق الطفل ويقول “لا يمكن الجزم بأن هذه الظاهرة قد تفاقمت بعد الثورة، ما يمكن التأكيد عليه فقط أنها أخذت أبعادا جديدة منسجمة مع السياق الاجتماعي والثقافي المستجد والمنفلت. ففي مجتمع تغلب عليه قيم الفحولة الزائفة والتسلط، إما أن تصمت الضحية أو تجبر على الصمت خوفا من العقاب أو الابتزاز أو الفضيحة أو نظرة المجتمع″.

ويخلص بالحاج “نحن عادة ما نتناسى أن تعرض الطفل لهذه الضغوط منذ سن مبكرة يؤدي إلى حالة من التطبيع مع الجريمة والبذاءة والتجاوز والتسلط”. ولا يمكن أن تنأى الأسرة التونسية بنفسها عن هذا الواقع المهدد لحقوق الطفل ولسلامة تنشئته ما يجعلها تكابد لتوفير الحماية له وتغرق في دوامة الخوف عليه حتى في المؤسسات المؤمنة على مصالحه وتعليمه وتربيته.

21