تصبحون على خوف

السبت 2014/07/12

وشاع الخبر بين الناس وتسرب وانتشر واستفحل فارتداه العامة معطفا ثقيلا في أيام قيض، الخبر الذي ليس بخبر والكذبة التي ليست بكذبة. وهذا العدو الأهوج الذي يتخبط في وحول الحقد ما زال مرابطا على حدود الأرض المستباحة، هكذا هي الأيام العربية حين تسقط مثل أمطار الصيف فلا تبلل الزرع ولا تسقي السابلة، لكنها أمطارا رغم أنف الطبيعة، وهي حين يحلو لها أن تتوارى خلف غيومها الرمادية يشح الخبر وتندر المعلومة، كي ينبت لوجه الشائعة ألف عين وعين.

مغلوبة على همها، تفر الجماهير الخائفة من الجيران الذين أجزلوا عطاياهم لتصنع من خوفها أوهاما جديدة استقتها من الحكايات الفاشلة في كتب التاريخ، مثل المريض الذي يعاف جسده أدوية الحكماء فيتعلق ببخور المشعوذين و (فتاحين الفأل). وتاريخ الشائعة قديم قدم الإنسان، حيث ترعرت في ظل أجواء نفسية مؤثرة عبر صراعات ممنهجة، فنحرت أحلاما وقتلت شعوباً وقوضت امبراطوريات امتدت على مسافة آلاف من السنين العجاف، وحين وصلت سالمة غانمة إلى يومنا هذا أصبحت شجرة وارفة مترامية الأغصان متعاظمة الشر.

تلجأ الحكومات الفاشلة إلى اتخاذ شتى التدابير للقبض على أعناق المجرمين والفارين من العدالة ومؤججي الفتن المذهبية وتجار الحروب وبائعي الكلام والمتأبطين شرا، لكنها –أبدا- لن تفكر في تقصي آثار مروجي الشائعات الرمادية، حيث يقع الأمر خارج حدود صلاحياتها القمعية، فكيف لها أن تطارد خيطا من دخان نجح في الصعود من سلة جمر كادت تلتهم خيام القبيلة ونياقها وكلئها وما عليها وما حولها؟ القبيلة، التي تستطيع ببراعة أن تلبس زيف الكلام قناع صدق إذا ما واءم المكذوب فيه هواها.

هذه المرة الألف، وما برحت الشائعة الغبراء تشنّف مسامع الناس ومازال غربان الموت على شفا خطوة من حدود العاصمة، فلم يكذب أحد الخبر ولم يقطع مقص الرقيب ذيوله وتصدرت سحب الخوف مشهدا غائما من الغموض والترقب، فتعلقت ابتهالات حالمة على شفاه ناشفة، تنشد الأوهام وترجو الغد بأن ينتظر قليلا ريثما يتسنى للمجروحين، لملمة ما تبقى من ضمادات الأمل والفرار إلى أرض لا تنام على جمر القلق.

فالناس، في هذه الأيام السود، يتكئون على دكة الأوهام ليحموا ومضة الأمل الأخيرة التي إذا ما انكفأت، تداعى سائر الجسد وأسلمت الروح لجامها للموت المقبل.

فمن أين لهؤلاء المعذبين بشائعة مباركة أخيرة تنسف ما عداها، فتأخذ الماضي إلى كهوف النسيان وتعلق الحاضر على حبال الشمس لينضج ويورق غده، شائعة رحيمة لا يقرع أبوابها الخوف ولا تسطع على نوافذها الأحقاد، شائعة تنام على خير ولا تصبح على موت.

ﻭﻋﻠﻰ ﺼﻌﻴﺩ ﺍﻟﺒﻌﺩ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ ﻓﻜﻡ ﺃﻗﻠﻘﺕ ﺍﻹﺸﺎﻋﺔ ﻤﻥ ﺃﺒﺭﻴﺎﺀ، ﻭﻜﻡ ﺤﻁﻤﺕ ﻤﻥ ﻋﻅﻤﺎﺀ، ﻭﻜـﻡ ﻫﺩﻤﺕ ﻤﻥ ﻭﺸﺎﺌﺞ، ﻭﻜﻡ ﺘﺴﺒﺒﺕ ﺍﻹﺸﺎﻋﺎﺕ ﻓﻲ ﺠﺭﺍﺌﻡ، ﻭﻜﻡ ﻓﻜﻜﺕ ﻤﻥ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﻭﺼـﺩﺍﻗﺎﺕ، ﻭﻜـﻡ ﻫﺯﻤﺕ ﻤﻥ ﺠﻴﻭﺵ، ﻭﻜﻡ ﺃﺜﺭﺕ ﺍﻹﺸﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺘﻘﺩﻡ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﻨﺤﻭ ﺍﻟﺭﻗﻲ ﻭﺍﻟﺭﺨﺎﺀ.

ﻓﻜﻠﻤﺎ ﺍﻨﺘﺸﺭﺕ ﺍﻹﺸﺎﻋﺎﺕ ﺒﻴﻥ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﻜﻠﻤﺎ ﺴﺎﺀﺕ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﺒﻴﻨﻬﻡ، ﻭﺴﺎﺩﺕ ﺍﻷﻤﺭﺍﺽ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﻤﻥ ﻏل ﻭﺤﻘﺩ ﻭﺒﻐﺽ ﻭﻜﺭﺍﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﻗﻠﻭﺒﻬﻡ، ﻓﺄﺴـﻘﻁﺕ ﺍﻟﺭﻭﺍﺒﻁ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴـﺔ ﻭﺍﻷﺴﺭﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺠﻤﻌﻬﻡ، ﻭﻗﺩ ﻴﺼل ﺍﻷﻤﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻨﻬﻴﺎﺭ ﻜﺎﻤل ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻻﺠﺘﻤـﺎﻋﻲ ﺍﻟﻌـﺎﻡ، ﻨﺘﻴﺠـﺔ ﻟﺘﺩﺍﻭل ﺍﻹﺸﺎﻋﺎﺕ ﺒﻴﻥ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﺍﻟﻤﺠﺘمع.

20