"تصحيح ألوان" يحاجج المصابين بعمى ألوان الأزمة السورية

حوار صحافي يتحول إلى تحقيق شبه بوليسي حول جرائم وخيانات ووشايات ارتكبها ولا يزال يرتكبها كاتب كاذب.
الخميس 2018/12/13
مثقف في قفص الاتهام

تعتبر أيام قرطاج المسرحية التي باتت تنتظم سنويا في تونس، من أهم التظاهرات المسرحية في شمال أفريقيا، حيث وفرت هذه التظاهرة على مدى 19 دورة سابقة منبرا هاما لمسارح الأفارقة والعرب خاصة ليبثوا رؤاهم الفنية على الخشبة، فيتم تصحيح بعض الأفكار والمواقف المسبقة بتعبيرات جمالية لا تدين أحدا، وهو ما قدمته المسرحية السورية “تصحيح ألوان” في الدورة العشرين للمهرجان.

تونس - حضر المسرح السوري بكل ثقله التاريخي وإرثه الجمالي، وبمنتهى مسؤوليته في استنطاق الراهن على خشبة قاعة “الريو” في العاصمة التونسية ضمن المسابقة الرسمية لـ أيام قرطاج المسرحية في دورتها الـ20 عبر مسرحية “تصحيح ألوان” من تمثيل كل من يوسف المقبل وميريانا معلولي، بالإضافة إلى أداء صوتي قام به أيمن زيدان، وحمل هذا العمل الذي صفق له الجمهور طويلا، توقيع سامر إسماعيل، كتابة وإخراجا، في إنتاج جديد للمسرح القومي في سوريا.

وإذا كان لا بد من محاولة التبسيط لواقع شديد التعقيد، فإن الحكاية (الذريعة) تتعلق بشابة جاءت تجري لقاء صحفيا مصورا مع كاتب يستعد للمغادرة أثناء الأزمة التي أصابت البلاد، وقد ذاع صيته بسبب رواية اسمها “الخوف”.. هكذا يمسي الخوف أفظع حالات البوح وأقسى ما يمكن أن ترويه الأجيال لبعضها بالهمس، بالتواتر الموصول حينا، والمقطوع أحيانا أخرى.

الحوار الصحافي سرعان ما يصبح تحقيقا شبه بوليسي حول جرائم وخيانات ووشايات ارتكبت وسوف تُرتكب من قبل هذا الكاتب الكاذب، والذي يتبين لنا أمام توالي الصدمات والاعترافات، أنه قد سرق مخطوط “الخوف” من والد الفتاة وحمّله كتابا يحمل توقيعه، وذلك تحت أكثر من تبرير قد يبدو مقنعا بالنسبة إليه، إذ أن الكاتب الأصلي قد غُيب في المعتقل مدة عشرين عاما بسبب وشاية من الكاتب المزيف، وذلك بغرض الانتقام لحب سُرق منه، وهو “سليمى” نجمة المسرح في الزمن الآفل، وأم الفتاة التي جاءت تجري معه المقابلة.

الصحافية الشابة التي أرادت الثأر لأبيها المخدوع والمغبون، والموهوم أيضا، مصابة بداء الصرع في رمزية صارخة لثمرة جيل متمزق، وربما في نزوع فرويدي، أراد به الكاتب مقاربة “إليكترا” في انتصارها لحضن الأب الدافئ الذي سُرق منها.

الأحداث والوقائع المتزاحمة تشبه شريطا تسجيليا تناثرت أحشاؤه كما جاء في أحد المشاهد المؤثرة، التصعيد الدرامي تصنعه الاعترافات القادمة من الذاكرة المأزومة، فلا شيء يحدث الآن وهنا غير محاولة تصويب وترتيب أحداث من قبل صحافية تحاول تأريخ اللحظة وادعاء الحياد فيهزمها الواقع.

“تصحيح ألوان” عمل يحاجج “المصابين بعمى الألوان” في النظر إلى الأزمة السورية، ليقول بأن الروائح التي تسمم الأجواء وتفسد الاحتفاء بالحياة، خلقتها جثث أفكار متعفنة لا تزال تنام في عقولنا وإن كنا ندعي نقيضها، فلا أحد بريئا من هول ما يحدث.

شخصية الكاتب الذي ينهار أمام اعترافات انتشلتها منه الفتاة الباحثة عن الحقيقة، يخلع عنه قميصه ويتعرى من نصفه الأعلى، فهل قال نصف الحقيقة؟ إنه كشف لدور المثقف في حقيقة ما يجري، وتحميله مسؤولية بوصلة الوعي التي يحملها ضمن اللحظات التاريخية الفارقة على غرار ما يجري الآن من أحداث.

حقيبة السفر، مفردة سورية بامتياز في ظل جحيم الهجرة والتهجير، وقد كان لهذا “الاكسسوار” اليومي في حياة السوريين عدة استخدامات ونوايا واتجاهات مختلفة، ذلك أن للحقيبة دلالة مزدوجة تجمع بين الإخفاء والإظهار، البوح والتستر، كما أن محتويات الحقائب تكشف وتشي بوجهات أصحابها ودوافعهم في الهجرة والسفر منهم وإليهم.

وكثيرا ما يُعاب على الأعمال الدرامية والكتابية طرح فكرة “الدراما والكتابة” كموضوع تتحرك في فضائه الشخصيات، ذلك أن الحياة أوسع وأغنى من كتابة تدور حول نفسها وتقتات منها، وهو أمر يُتهم فيه صاحب الأثر بالكسل الفكري و”اللعب أمام بيته”، لكن الكاتب والمخرج السوري سامر إسماعيل، قد بدد هذه المقولة في “تصحيح ألوان”، وصحح فكرة مفادها أن المثقف حين يتناول المثقف في عمل درامي، فإنه يذهب بالدراما نحو أقصاها، ويجعلها حقلا مترامي الدلالات في “فن صناعة الذرائع والتماس الأعذار”.

الكاتب الانتهازي في مسرحية “تصحيح ألوان” حمّل حقيبته في آخر المشاهد جسد الفتاة المأزومة الطافحة بالحقيقة، وهي في نوبة صرع وسؤال وفجيعة.

التقت في المسرحية، كما تمازجت وتحاورت عدة أساليب لبناء سردية مشهدية متماسكة ضمن ثنائية الوحدة والتناقض، فتجاور الروائي والتسجيلي، التوثيقي والتقريري، واستعان العمل بالمادة التصويرية دون أن يغفل عن “السوشيال ميديا”، وذلك لتأكيد الانتماء إلى هذا الزمن الذي يمتزج فيه الواقعي بالافتراضي إلى حد التماهي.

ولم يجنح الأداء التمثيلي في “تصحيح ألوان” نحو المبالغة في الأسلبة كي لا يضيع طزاجة العرض وعفويته، فجاء أداء الممثلين يوسف المقبل وميريانا معلولي، واقعيا بنكهة مسرحية تحتفي بشموخ الممثل دون أن تسقطه “الغروتيسك” أو المبالغة الأدائية.. هذا إذا علمنا أن الممثل يوسف مقبل ذو باع طويل في الوقوف على خشبة المسرح التي أخذ الكثير من نكهتها إلى أدواره التلفزيونية.

الإيقاع أيضا كان مشدودا ومنضبطا، وأشبه بلعبة بينغ بونغ، ولكن دون رتابة ومع الأخذ بلحظات إشباع الصمت أو منح الكرة ما تحتاج إليه من مرونة ودوران حر يُكسب اللعبة ما تعطيه من فرجة.

وتعد المسرحية تصحيحا لرؤية المشهد السوري وكل ما علق به من التباسات دون تغليب أو انتصار لطرف على آخر، فجميع الأطراف في المسرحية ضحية تشويش وخلل ما، نتحسسه ولا نحدده بدقة مثل ألم حكة تحت الجلد.

“تصحيح ألوان” عمل يغني المدونة المسرحية السورية والعربية، لأنه لم يجنح نحو الدعاية المجانية وحاول أن يكون وفيا للمسرح وأدواته وضوابطه، وحتى جنونه وانفلاته في مرحلة الجنون الانتحاري والانفلاتات الخاسرة، هي في النهاية مسرحية غاضبة دون تشنج، موجوعة دون مظلومية استعراضية أو مجانية.

16