تصحيح الشراكة في المتوسط، من الهيمنة إلى التضامن

السبت 2017/11/04

ذاكرة الأوروبيين دائما قصيرة. فما يصوره العالم الغربي على أنه اجتياح همجي من قبل قوارب المهاجرين لأسوار قلعة الاتحاد الأوروبي، كان هو الاجتياح نفسه قبل بضعة قرون فقط، ولكن في الاتجاه العكسي. كان بكل بساطة اجتياح النهب المنظم واستنزاف مستعمرات جنوب المتوسط.

لقد نقلت القوى الاستعمارية الأوروبية حتى القرن العشرين كل مستلزمات الرخاء والنمو الاقتصادي إلى أراضيها مستفيدة من المواد الخام والمعادن والإنتاج الفلاحي وحتى نقل البشر عنوة من مستعمراتها في الجنوب إلى جبهات القتال والمشاريع الصناعية الكبرى. تماما مثل إضرارها بالبيئة والأرض عبر تجاربها النووية في فنائها الخلفي (صحراء الجزائر).

شكلت رواسب تلك الحقبة المظلمة وما تخللتها من حروب التحرير المكلفة للمستعمرات بشكل دائم، حجر عثرة أمام إعادة بناء علاقات متوازنة في حوض المتوسط وكانت من بين المعوقات الرئيسية للمحادثات الأفريقية الأوروبية في قمة القاهرة عام 2000 وبرز ذلك بشكل أكبر في قمتي لشبونة عام 2007 وطرابلس عام 2010.

وقد كشفت تلك القمم عن تباعد كبير في مسائل ترتبط بالأمن والإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان وملف الهجرة إلى جانب مسألة التعويضات عن عقود الاستعمار التي لوحت بها ليبيا القذافي، بالإضافة إلى المطالبة بتحمل الجانب الأوروبي تمويل عمليات مكافحة الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط وملاحقة المتشددين.

والأهم من ذلك فشلت القمم الأوروبية الأفريقية في رسم ملامح التكامل الاقتصادي بين القارتين، إذ سيطرت مشاعر عدم الثقة على هذه المباحثات لجهة أن الانطباع السائد الذي ظل راسخا لدى القادة الأفارقة، هو أن الأوروبيين ظلوا حريصين على إبقاء أفريقيا متخصصة في الإنتاج الزراعي وتوفير المواد المعدنية، وهو أمر لا يؤدي في نهاية المطاف إلى تنمية حقيقية في القارة ولا إلى الحدّ من البطالة ورفع مستوى الدخل بقدر ما يكرس التبعية للمستعمر القديم.

مع ذلك لا يزال الاتحاد الاوروبي يقدم نفسه على أنه شريك سياسي لأفريقيا مختلف عن الصين المتعطشة للمواد الخام. وهذا الادعاء بدأ في الواقع يفقد الكثير من مصداقيته بدليل أن الاتحاد لم ينجح في تقليص نسب الفقر والبطالة في القارة منذ إطلاقه لمبادرات الشراكة في تسعينات القرن الماضي، باستثناء نجاحات منفردة في عدد قليل من الدول مثل رواندا وإثيوبيا وبوتسوانا.

وحتى الاشتراطات المسبقة والمرتبطة بدمقرطة الأنظمة السياسية وتكريس التعددية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان لم تشفع واقعيا في رؤية تحول حقيقي، والدليل أيضا أن الاتحاد الأوروبي فشل منذ عام 2011 وحتى اليوم في منح دفعة حقيقية لتونس التي تمرّ بانتقال ديمقراطي طالما نادت به المؤسسات الأوروبية وجعلت منه أداة ضغط وابتزاز ضد شركائها في الجنوب، لكنه يشهد تعثرا في الأداء الاقتصادي والتنمية بينما ظلت نسب الفقر والبطالة تراوح مكانها وتدفع إلى المزيد من السخط والقلاقل الاجتماعية رغم النجاحات السياسية.

يمثل النموذج التونسي المرتبك حاليا نتاجا لفشل أوروبي مشترك ومتخاذل في تفعيل سياسة الجوار الأوروبي في الاتجاه الصحيح، وهو أمر يشرع للمطالب المتزايدة في تونس اليوم وبعد سبع سنوات من الانتقال السياسي، إلى مراجعة هذه السياسة برمتها وإبداء التحفظ المشروع إزاء مطالب الشريك الأوروبي بالمضي قدما في توسيع وتعميق التبادل الحر.

برأي الجماعات المتحفظة فإن مسار برشلونة واتفاق التبادل الحر للسلع لعام 1995 مع تونس ومن ثمّ باقي دول جنوب المتوسط، لم يكن سوى مسار مقنع للعولمة التجارية ولتأسيس علاقات اقتصادية غير متكافئة تقوم على السيطرة على الأسواق بدل العمل على تعميم تنمية متكافئة لشعوب الضفتين.

ونفس هذه التحفظات تضع الاتحاد الأوروبي في قلب المسؤولية وراء تدهور النسيج الاقتصادي الاجتماعي في تونس بسبب العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة، ما أدى برأيهم إلى توسيع رقعة البطالة وهروب الآلاف من الشباب العاطل نحو قوارب الهجرة غير الشرعية.

جاء رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني ليعلن من منبر الديمقراطية الناشئة عن الرغبة في إرساء مقاربة دائرية لملف الهجرة الشائك والتأسيس لشراكة جديدة عبر ضخ 40 مليار يورو في موازنة الاتحاد توجه إلى برامج التنمية والاستثمار في أفريقيا ومن بينها تونس، تأخذ بعين الاعتبار حرية التنقل المنظم، لكن مع الإبقاءعلى نفس السياسة الصارمة في وجه الهجرة غير الشرعية.

غير أن الإعلان لم يتأخر في إثارة الكثيرمن الأسئلة والشكوك حول ما إذا كانت هذه الشراكة ستأتي حقا بالجديد قياسا إلى المبادرات السابقة. فحتى اليوم لم تفض “وثيقة برشلونة” ولا “الجوار الأوروبي” ولا حتى “الاتحاد من أجل المتوسط”، إلى شراكة حقيقية بين دول الضفتين.

وبخلاف تعزيز الروابط الاقتصادية وانسياب السلع فإنه لا أثر فعليا عن سياسة “رابح-رابح” التي لوح بها الأوروبيون من قبل، خاصة مع الاستمرار في فرض قيود مجحفة على حرية تنقل الأفراد من جانب واحد.

ويبرز القصور الفادح وغير العادل لهذه السياسة عندما يتم الحديث عن تونس التي تتمتع بصفة الشريك المميز منذ عام 2012 تمهيدا لإرساء اتفاقية تجارة معمقة وشاملة، رغم أن الاتحاد الأوروبي يمثل حاليا الشريك الأول لتونس بنسبة تتجاوز 70 بالمئة من إجمالي علاقاتهما الخارجية.

يمثل إعلان تاجاني اليوم اختبارا حقيقيا للاتحاد الأوروبي في ما إذا كان يرنو فعلا إلى شراكة متوازنة تتجاوز دور الشرطي والحارس الأمين للسواحل الجنوبية ضد الهجرة السرية.

وربما ما يحتاجه الشركاء الأوروبيون بشكل خاص هو الالتفات بأكثر جدية إلى نداء لامبيدوزا الإيطالية الذي أطلقه المهاجرون الجدد هناك، من حيث أنه يمثل الأساس الأول لعلاقات متوازنة عبر تخفيف القيود عن الهجرة والإقامة كما تنص عليه المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمكرس لحرية التنقل.

وجوهر رسالة لامبيدوزا هو أن ما يطمح إليه شباب جنوب المتوسط لا يختلف عما يبحث عنه الشباب الأوروبي في الشمال، من استكشاف فرص جديدة في فضاء أورومتوسطي مشترك ومن دون قيود.

كاتب تونسي

4