تصحيح المعتقدات بداية تغيير مفاهيم الأسرة لختان الإناث

تحصين أجساد الفتيات من التشويه بذريعة الطهارة صعب دون تقويض التراث الفقهي.
السبت 2020/06/06
الفهم المغلوط للدين ينتج سلوكيات مجتمعية سلبية

مثّل قرار قضائي مصري صدر الأربعاء بشأن جريمة ختان أنثى حدثت مؤخرا طعنا في المعتقد الديني، ما يعد بدوره بداية تغيير مفاهيم الأسر المصرية حول هذه السلوكيات المجتمعية التي ترتكز إلى معتقدات وفهم مغلوط للدين، وتستوجب محاربة هذه الثقافة المجتمعية المنتشرة في الأوساط الشعبية والريفية البسيطة تقويضا يستهدف أساسا التراث الفقهي لهذه الفئات.

القاهرة – ضرب القضاء المصري معتقدا دينيا خاطئا لدى أغلب الأسر حول ختان الإناث في ما يخص العفة والطهارة، وأكد في سابقة تاريخية أن جميع الأديان السماوية بريئة من هذه الجريمة، مهما حاول البعض إلصاقها بالعقيدة.

وقررت النيابة العامة في مصر الأربعاء إحالة طبيب ورب أسرة لمحاكمة جنائية عاجلة بتهمة الإصرار على ختان ثلاث فتيات بعد خداعهن وتخديرهن بحجة تطعيمهن ضد فايروس كورونا، وإصابتهن بتشوهات في الأجهزة التناسلية.

ولم تكتف النيابة بالإعلان عن تفاصيل الجريمة وتجاوزت دورها بتوعية المجتمع والطعن في معتقداته وعاداته وثقافته الدينية المغلوطة، واستندت إلى أدلة وبراهين من العصور القديمة لتبرهن أن الختان خرافة يتم الترويج لها باسم الدين.

ويبدو أن الجهات القضائية قررت أن تقوم بدور المؤسسات الإعلامية والدينية والحقوقية في حسم أحد أهم الملفات الأسرية الشائكة التي طالما تراخت الجهات الرسمية عن غلقها وتركت الأبواب مفتوحة للاجتهاد فيها، وأبرزها ما يرتبط بالعلاقة الوهمية بين الدين وختان الإناث ومفاهيم العفة والطهارة. وأكد التحرك الجديد أن تشديد العقوبة على المتهمين بهذا الفعل، رب الأسرة أو الطبيب، لن يكون كافيا للتصدي للظاهرة، طالما أن دوافع وقناعات العائلات محصنة من الطعن فيها.

صحيح أن المؤسسات الدينية (الأزهر ودار الإفتاء والكنيسة) حرمت الختان وأقرت الحكومة عقوبات وصلت إلى حبس المتهمين بين 5 و7 سنوات، لكن لا تدرك كل هذه الأطراف أن المتشددين دينيا الذين ينتشرون بين الناس في المناطق الريفية والقبلية والشعبية يتخطى تأثيرهم قوة القانون والمؤسسات.

النيابة العمومية تجاوزت دورها بتوعية المجتمع والطعن في معتقداته وعاداته وثقافته الدينية المغلوطة

أقرب مثال على ذلك، أن رب الأسرة الذي يعيش في ضاحية ريفية ولم يلتحق بأي مؤسسة تعليمية، لن يقنعه خطاب الأزهر ولا دار الإفتاء، إما لأن الفتوى لم تصل إليه من الأساس ولا يسمع عنها، أو لأنه يقدس رأي الشيخ السلفي الذي يلتقيه كل يوم في الضاحية أو داخل المسجد، ويؤثر في قناعاته الدينية والفكرية ويجعله يتماهى مع رأيه المتشدد.

وإذا كانت الأسرة تعيش في بيئة حضرية، فإن ذلك لا يعني أن الفتاة محصنة من الختان، بحكم أن الأب أو الأم غالبا ما تكون لها جذور ريفية، وانتقلت إلى المدينة بعادات وتقاليد الماضي، دينيا وفكريا، ما يجعل التركيز على المفاهيم الأسرية عنصرا هاما في سبيل التصدي للظاهرة. وبالنظر إلى أرباب الأسر البسيطة، والأجداد الذين يملكون زمام القرار في العائلة، فإن لديهم تدينا فطريا، ولا يبالون بالخطاب الديني المعاصر، ومازال أغلبهم يستند إلى فتوى قديمة صادرة عن دار الإفتاء مطلع ثمانينات

القرن الماضي تقول إن الأب الذي لا يختن ابنته آثم، لأن الختان من الأمور التي حث عليها الإسلام والأئمة الأربعة. واطلعت “العرب” على نص الفتوى الذي يقول “لو لم يتم ختان الفتاة لتعرضت لمثيرات عديدة تؤدي بها إلى الانحراف والفساد، والثابت في كتب السنة والفقه أن الختان للرجال والنساء من صفات الفطرة التي دعا إليها الإسلام وحث عليها، ولا يجوز على ولي الأمر أن يترك ما دعا إليه الدين لفوائده الصحية والنفسية والجسدية”.

وقالت أسماء عبدالعظيم، وهي باحثة واستشارية في شؤون الأسرة، إن ضرب المعتقدات الدينية الخاطئة عن الختان يُفترض أن يكون الاتجاه الموازي للعقوبات القانونية، لأن توارث العادات والتقاليد دون مواجهة فكرية وثقافية، من الأسباب العصية على الحل، ومواجهتها تحتاج إلى سياسة النفس الطويل.

وأضافت، لـ”العرب”، أن هناك الكثير من شيوخ الدين مازالوا يصرون على أن الختان من صميم الإسلام، ويقنعون الأسر بأن ترك هذه العادة حرام شرعا، وللأسف يتماهون في الإقناع بمحاولة الطعن في رأي المؤسسات الدينية التي لا يصل خطابها إلى عموم الأسر. وتظل معضلة المؤسسة الدينية أنها اكتفت بتحريم الختان وتبرئة ساحاتها أمام المجتمع والمنظمات الحقوقية، وتوقفت عند هذه النقطة دون أن تستكمل المهمة وتنزل بخطابها إلى مستوى الفئات البسيطة التي ظلت أسيرة لرأي ديني عشوائي.

فئات بسيطة ظلت أسيرة لرأي ديني عشوائي
فئات بسيطة ظلت أسيرة لرأي ديني عشوائي

ولم تتبن وزارة الأوقاف حملة دعوية من على المنابر، بخطبة موحدة مثل التي تُلزم بها أئمة وخطباء المساجد، لتفنيد الحجج الدينية والأسانيد التراثية حول ختان الإناث، حتى الأزهر ووعاظه، لم ينزلوا إلى الشارع للتحدث مع الناس، بأنهم انخدعوا لعقود وشوهوا أجساد بناتهن باسم الدين، ولم يدرج في مناهجه حرمة هذا الفعل.

وتراخت وزارة الصحة ومعها منظمات حقوقية عن القيام بحملات توعوية في المناطق التي تنتشر فيها ظاهرة الختان، وأصبح خطابها موجها للأسر الأكثر فهما ووعيا، في حين أن أغلب أرباب العائلات لا يجيدون فهم اللغة الجافة ولا يعرفون عن الختان إلا أنه حصانة للفتاة.

وعندما شددت الحكومة عقوبة الختان اقتصرت التهمة على الأب والطبيب، ولم تدرج الفئة الأهم التي كانت سببا في انتشار الظاهرة وتستحق العقاب بالمثل وهم رجال الدين الذين يناكفون المؤسسات الرسمية ويقدمون أنفسهم أمناء على العقيدة وترسيخ تراثها بين الناس.

ورأى أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الطفل المصري، أنه لا بديل عن اكتمال منظومة المواجهة بمعاقبة محرضي الأسر على الختان، سواء بالفتاوى أو النصوص القديمة، لأن ترك هذه الفئة تعبث بعقول البسطاء وقليلي الوعي، ينذر بتكرار الجريمة، لتدفع الفتيات وحدهن فاتورة التسامح مع المحرضين على تشويههن. وأوضح أن الموروث الثقافي والديني أقوى من القانون، والخطورة في نقله للأجيال، وعندما نسأل أي رب أسرة عن سبب ختان بناته، يرد بأن الدين دعا إلى ذلك، ويجب هدم المعتقد الديني عن العفة كحل أولي، تعقبه توعية اجتماعية وصحية وترهيب بالقانون.

وتظل معضلة الخطاب التوعوي الذي يحاول إقناع الأسر بأن الختان جريمة، أنه في الكثير من الأحيان يتناول الإعلام مناقشة الظاهرة بمنظور حيادي، بمعنى أنه يستعين بوجهة النظر المؤيدة والمعارضة، وغالبا ما يكون من رجلي دين، أحدهما يقول مع ويذكر الأسباب، والآخر يقول لا ويقدم الأسانيد.

21