"تصحيح" مغامرة رقمية تتحوّل إلى سجن فضائي

في زمن ما لا نعلمه، لكنه بكل تأكيد زمن مستقبلي، عندما يتكاثر قراصنة الإنترنت ويتحولون إلى ظاهرة تستحق تدخلا أوسع من السلطات، فالعالم الرقمي الذي يوفر رفاهية وحياة ميسرة، سيتسلل إليه اللصوص والخارجون على القانون أيضا، وهو ما يحدث في فيلم “تصحيح” لديفد هيوليت.
الاثنين 2015/09/21
لصوص يطالون عالم الآحاد ويعبثون بنظمه

اللصوصية والقرصنة الممتدة بامتداد وجود المجتمعات البشرية، ستتمدد كذلك إلى عالم الأصفار والآحاد أيضا، وسنراقب تلك السيرة القائمة على ما يمكن أن نسميه بـ”متعة المغامرة الرقمية”، والانغماس في ذلك العالم الافتراضي والتمدد فيه بعيدا، وصولا إلى تملك معلومات محظورة والتسلل إلى مواضع محصنة.

في فيلم “تصحيح” وهو من تأليف وإخراج ديفيد هيوليت (إنتاج 2015) يتم اصطياد ستة من هؤلاء القراصنة أو “الهاكرز”، ولا بدّ من عقابهم بعد إدانتهم، لكن أي عقاب يمكن أن ينالوه؟

فبعد أن كان النفي والسجن عقابا للخارجين على القانون، صار النفي في الفضاء والسجن في مركبة فضائية فيها أعطال وعلى القراصنة إصلاحها هو العقاب، هكذا ببساطة سنعيش فصول تلك القصة الطريفة والمعالجة المختلفة لثنائية: اللص والعقاب، وهي ثنائية ستمتزج بالخيال العلمي وبالتكنولوجيا ومستحدثاتها.

هناك على متن تلك السفينة ليس غير البياض، وليس سوى أجواء مستنسخة من أية مركبة فضائية، الصور “الراديوية” والحوارات بين أفراد الطاقم، فيما البيانات الرقمية تحيط بوجوه المتحدثين، وهي لازمة صارت تتكرر، تلك الألواح الزجاجية الشفافة التي تظهر عليها وجوه الشخصيات وقد التقطتها كاميرات المركبة الفضائية.

القراصنة الستة هم شباب يافعون، لم يظهر لهم الفيلم كثيرا من المهارات الاستثنائية التي تلفت النظر، وتلك إشكالية تطرحها بعض أفلام الخيال العلمي من خلال تبسيط هذا النوع الفيلمي، وابتساره إلى ما يجري في جوف المركبة الفضائية، وارتداء زي رواد الفضاء والمكالمات المصورة عن بعد، وصولا إلى السباحة داخل جوف المركبة في حالة انعدام الجاذبية.

التبسيط يقع هنا مع ضعف الدراما الفيلمية والسرد الفيلمي، وعدم وجود حبكات ثانوية رصينة تصعّد الأحداث، ولهذا تُستنزف مساحة واسعة من الزمن الفيلمي في الحوار، ولا شيء غير الحوار، وهو ما عانى منه هذا الفيلم.

ومع ذلك وما أن يتسرب إلى المشاهد شيء من الملل، حتى تبرز إحدى الشخصيات الشريرة المسمى بكوبرا (الممثل أدريان هولمز)، إنه يتحول فجأة وبلا سابق تمهيد إلى ما يشبه سلوك مصاص دماء، يهاجم بوحشية ويقتطع الأحشاء.

تحوّل دراماتيكي يجعل فريق القراصنة الشباب المعاقبين بملابسهم البرتقالية التي تشبه ملابس السجناء، يجعلهم هدفا مباشرا لهذا الكائن المتوحش، ثم تتحول السفينة إلى ميدان للصراع، فكوبرا لا يتورع عن الاقتصاص من أي أحد يقف في طريقه بلا أدنى تردد، وهو حل بدا مقنعا إلى حدّ ما لغرض انتشال الإيقاع الفيلمي من رتابته.

في الفيلم تبرز إحدى الشخصيات الشريرة المسمى بكوبرا الذي يتحول فجأة إلى ما يشبه سلوك مصاص دماء يهاجم بوحشية ويقتطع الأحشاء

على الجهة الأخرى ومن فريق “الهاكرز″، سيظهر ندّ شرس لكوبرا ممثلا في كايدا (الممثلة جينان غويسين)، فهي من سيتصدى له بعد أن آذى أصحابها وهي من سيتسبب في الخلاص منه أيضا.

في مشاهد قتال بين الاثنين تظهر فيه مهارات مفاجئة وغير متوقعة من قبل كايدا، حتى تتجلى أيضا شخصية قائد تلك المجموعة الشريرة نفسه يام (الممثل جيسون مونوا)، فهو من نوع تلك الشخصيات الافتراضية التي من الصعب هزمها.

ليس جديدا في أفلام الخيال العلمي الزج بشخصيات تتحول وتتنقل من شخصية إلى أخرى، بل حتى إنها تتعرض للموت ظاهريا، لكنها ما تلبث أن تظهر مجددا محملة بطاقة أخرى تستمدها من قوة مجهولة، وتلك هي حال يام الشرير الذي يخوض مبارزة أخرى مع كايدا، في ما يشبه المبارزة بالسيوف والقتال الأعزل تنتهي، بمصرع يام ثم عودته مجددا.

الشاشات تكتظ بصور القائد الشرير، والقراصنة المنفيون يتناقصون، وهنالك سجال وحوار لا ينتهي بينهم، ففي المحصلة النهائية في ما يتعلق بالبناء الدرامي هنالك ثغرات تتعلق بالشخصيات، أولئك الفتية المغرمون بالكلام، ولا يفعلون شيئا، حتى أننا لم نكتشف شيئا من مهاراتهم الرقمية، وإذا بهم يتحولون إلى صيد سهل لعصابة يام.

هنالك حقا نقص واضح في مقاربة الموضوع، لم تشفع له مونتاجيا حتى تلك الانتقالات التقليدية إلى السفينة الفضائية وهي عائمة في مدارها، ثم العودة مجددا ومرارا إلى الحوار والسجال.

أما على الجانب الآخر، فإن شخصية يام ليست جديدة في أفلام الخيال العلمي، ففي سلسلة أفلام “ستار تريك” الشهيرة هنالك دوما شخصية الشرير الذي يتسلل إلى النظام ويظهر على الشاشات مهددا متوعدا، وكذلك يفعل يام في سطوته على المكان وإن لم يحضر بشخصه.

ومع ذلك فهو قادر على التأثير في أولئك “الهاكرز” المنفيين، حتى ظهوره المفاجئ واشتراك “الهاكرز” في الإجهاز عليه من خلال صوره ونسخه المختلفة، وإن كانت شخصيات افتراضية رقمية، وهي معطيات أسهمت في تصعيد البناء الدرامي للفيلم.

16