تصدير الثورة وتجاوز الجغرافيا.. المشترك الفكري بين الإخوان وإيران

شعار تصدير الثورة وإن كان منتجا إيرانيا خالصا ظهر بعد الثورة الإيرانية عام 1979، إلا أنه في عمقه يلتقي مع أدبيات الإخوان وبقية التنظيمات الإسلامية المتطرفة، التي تسعى جميعها بطرق مختلفة وبتسميات متعددة، إلى بلورة فكرة عالمية الإسلام بما تعنيه من تكفير للآخر وإقصائه ونفيه من الوجود. تصدير الثورة في نسخته الإيرانية نجد له صدى في كل أفكار التيارات الإسلامية التي لا تعترف بالجغرافيا فعلها السياسي، وهو ما يعني أن المشكلة فكرية معرفية وليست حركية أو سياسية.
الاثنين 2017/06/19
تصدير الثورة وأستاذية العالم

لا يمكننا اعتبار خطاب ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية، كما يسميها الخميني في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه والذي عد بمثابة الدستور الذي بنيت عليه إيران ما بعد الثورة الإيرانية، أقل حدة عن تلك الخطابات الثورية لتنظيم الإخوان المسلمين، خصوصا تلك الأفكار الراديكالية ضد النظام السياسي في إيران أيا كانت الأسباب، وهي نصوص تؤسس لأطروحات الجهاد المقدس، وإقصاء الآخر، وضرورة ربط الدولة بالإسلام الأيديولوجي، وذلك بـ”دحر الأنظمة التي تستمد وجودها من الصهيونية والرأسمالية والشيوعية”، أو بترويج شعار الجهاد كحقيقة دينية، فالمطلوب منكم “يا أبناء الإسلام أن تبينوا الحقائق للجماهير، واستنهضوهم، وانفخوا في أهل السوق والشارع، وفي العامل والفلاح، والجامعي، روح الجهاد، الجميع سيهبون للجهاد”.

تصدير الثورة

لقد تضمن كتاب الخميني “الحكومة الإسلامية” أطروحات يمكنها أن تؤسس لصراع دموي طويل في إيران لو لم تنجح الثورة الإسلامية، وتتحول من صراع داخلي ذي ملامح حزبية إلى صراع خارجي يدار بعقلية دولة، وليس بعقلية حزب سياسي.

تصدير الثورة وإن كان مصطلحا خاصا بولاية الفقيه؛ إلا أن دلالاته تتطابق مع تنظيم الإخوان الذي يطرح فكرة التنظيم العالمي

هذا التحول السريع في مناطق الصراع وفي طرائق التفكير وفي آليات الخطاب، وضع التوجهات الإسلاموية كافة تحت هيمنة الدولة، وهو يختلف عما حدث في مصر تقريبا، حيث ظلت سياقات التحول وآليات التنفيذ حزبية التفكير، وظلت الدولة بنظامها السياسي الاستبدادي تلعب بورقة الصراعات الداخلية، بين التنظيم الإخواني وباقي القوى اليسارية والليبرالية. هذا النوع من الإسلامات له أيديولوجيا واحدة في ما يتعلق بإشكالية تصدير الثورة، فهو وإن كان مصطلحا خاصا بولاية الفقيه؛ بيد أن دلالاته الثورية والدينية تتطابق مع تنظيم الإخوان، الذي يسعى إلى طرح فكرة التنظيم العالمي، وهي أطروحة تستمد مرجعيتها من التاريخ البعيد، حيث عالمية الإسلام كرسالة تحتم الدفاع عن فرضية أن الإسلام فكرة وليس جغرافيا، وهو فكر أيديولوجي يشتغل في فضاء حزبي للهيمنة على لغة الخطاب الراديكالي الدولي.

هناك محاولة لإسقاط الإسلام كمنظومة نصوصية وتاريخية أتت في مرحلة التأسيس على هذه الأيديولوجيات الحزبية ذات الوظائف السياسية المتعددة، وهو إشكال إبستيمولوجي في الأساس وليس إشكالا حركيا فقط.

إذ يحاول الإسلام الثوري أن يوجد مقاربات في المعرفة التاريخية (النص المقدس والروايات ونصوص السلف) مع الإسلام المحمدي، وهي مقاربات تتخذ وسائل عديدة لتحقيقها، بالرغم من أن الإمام الخميني أكد، في أكثر من مناسبة، أن تصدير الثورة لا يمكن أن يكون عن طريق العنف أو الدم، فقد “قلنا من البداية إننا نريد تصدير ثورتنا، ولا نعني تصدير الثورة بتحشيد الجيوش، بل نريد أن نوصل صوتنا إلى أسماع العالم”.

هناك محاولة لإسقاط الإسلام كمنظومة نصوصية وتاريخية على هذه الأيديولوجيات الحزبية ذات الوظائف السياسية المتعددة

غير أن هذا المبدأ النبيل في ظاهره، لا يمكن إلا أن يتحول إلى العنف بأي طريقة كانت، سواء لدى تنظيمات ولاية الفقيه أو لدى التنظيم الإخواني؛ لأن الإشكال كما سلف الذكر هو إشكال إبستيمولوجي أصلا وليس حركيا فقط؛ ويتعلق بموقف الدين التاريخي (الأيديولوجي) من الدولة، أو علاقة الدولة بالدين في أبجديات التنظيمات الراديكالية الإسلامية؛ إذ يقررون سلفا وجود علاقة إلزامية وضرورية بين قيام الدولة والدين، فلا يمكن أن تقوم دولة دون أن تأخذ بشعار تطبيق الشريعة الإسلامية، حيث الدين بصورته الحزبية أصبح ضرورة حتمية لبناء الدولة من منظور هذا النوع من الإسلامات، وهذه النظرية هي التي أبقت على عنصر العنف الدموي حاضرا، مع أي حراك إسلامي يهدف إلى بناء الدولة الحديثة، وهي نظرية قامت عليها ولاية الفقيه، كما كرسها تنظيم الإخوان المسلمين في أطروحاته الفكرية، وآمنت بها جميع الحركات الراديكالية التي ظهرت في التاريخ المعاصر عند المسلمين، “فقد ثبت بضرورة العقل والشرع أن ما كان ضروريا أيام الرسول، وفي عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا”، إضافة إلى النص الذي سقناه سابقا عن الإمام الخميني الذي يؤكد فيه أن “الشرع والعقل يفرضان علينا ألا نترك الحكومات وشأنها”.

ومن هنا كان انتقاد الإمام الخميني للنظرية العلمانية كثيرا في أطروحاته، خصوصا في كتابه الحكومة الإسلامية، وفي معظم خطاباته، رابطا بينها وبين نظرية المؤامرة؛ ليس لأن هذه النظرية السياسية هي غربية فقط، ولكن لأنها مفارقة للنظرية السياسية عند ولاية الفقيه، والتي تنص على ضرورة ربط الدولة بالإسلام السياسي. إذن فإن أسلمة الدولة الحديثة ضرورة حتمية لأي مشروع إسلامي راديكالي، ومن دون هذه النظرية تبقى الأطروحات كافة التي تتغنى بالعيش المشترك مع الآخر، مجرد أطروحات دعائية في مرحلة ظرفية، حتى يتمكن الحزب من الهيمنة على السلطة السياسية، وهي مقاربات معرفية وأيديولوجية مشتركة بين ولاية الفقيه والتنظيم الإخواني.

الدولة غير الحزب

لكن كل ذلك يحتم علينا ألا نضع تنظيم ولاية الفقيه وإيران والمدرسة الشيعية في سلة واحدة؛ إذ ينبغي أن ندرك أن إيران الدولة بعد قيام الثورة الإسلامية، ليست هي ذلك الحزب الإسلاموي المرتبط بنظرية ولاية الفقيه؛ فالشروط اللاهوتية والأيديولوجية لتكوين الأحزاب، تختلف نهائيا في آليات خطابها عن مفهوم الدولة بتاريخيتها وتعدديتها الإثنية والثقافية وتنوعها الديني أيضا، حتى لو كان النظام السياسي فيها يخضع لمقاربات الحزب الإسلامي الذي مارس النضال يوما ما. وهذه نقطة جوهرية ومهمة جدا؛ فلا يمكننا اختزال مفهوم الدولة الإيرانية قبل أو بعد الثورة من خلال مقاطع تصويرية عن طبيعة الخطاب الثوري الديني، فليس الحديث عن ولاية الفقيه هو ذات الحديث عن إيران كدولة؛ سواء في طبيعة الخطاب الثوري أو آليات الاشتغال، أو علائق التواصل مع الآخر، فضلا عن المكون التاريخي والسياسي والاجتماعي والديني لهذا أو ذاك، فلا يمكن اختزال إيران الدولة في حزب سياسي ديني، كما لا يمكن اختزال المدرسة الشيعية أيضا في تنظيم سياسي كتنظيم ولاية الفقيه.

* خلاصة بحث أحمد الإسماعيلي “صناعة الإسلام الثوري.. طبيعة الخطاب والتشمل لدى الإخوان المسلمين وولاية الفقيه”، ضمن الكتاب 124 (مايو 2017) “إيران والإخوان الشيعة القطبيون” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث-دبي.

13