تصدير الشيخ إمام

فقدت ظاهرة إمام- نجم تأثيرها داخل مصر، وأصبحت ظاهرة احتفالية خارج مصر، إلى أن أعيد إنتاجها على نطاق ضيق للغاية في الاعتصام الكبير بميدان التحرير خلال انتفاضة يناير 2011.
الأربعاء 2018/07/25
ظاهرة إمام- نجم ظلت وثيقة الصلة بحركة المعارضة لنظام السادات

احتفلت الأوساط الثقافية والسياسية المعارضة في مصر مؤخرا بمرور مئة عام على مولد الشيخ إمام، ذلك المغني الثوري الأسطوري الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في زمن الرئيس أنور السادات، على الأقل بين طلاب الجامعات المصرية.

كان الشيخ إمام مع رفيق دربه الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم، يجمعان الطلاب والمثقفين معا في ملحمة مقاومة سياسات ثبت في ما بعد أنها كانت مدمرة على أكثر من صعيد في الداخل المصري وإن وجد فيها العرب خارج مصر، إنجازات جريئة.

وقد سجن الشيخ إمام في عهد عبدالناصر وعهد السادات من دون أن يؤدي هذا إلى وقف نشاطهما حتى من داخل السجن، وبدا أن السلطات الأمنية في بداية عهد الرئيس مبارك قد تعلمت الدرس، وكان الرئيس مبارك بتكوينه الشخصي، أقل انفعالا إزاء ما كان يؤديه الشيخ إمام من ألحان تحريضية، مقارنة بسلفيْه.

كانت أغاني الشيخ إمام وأشعار نجم قد حقّقت شهرة كبيرة في ليبيا وتونس والجزائر وسوريا ولبنان، وكان الفلسطينيون يتخذونها أداة للمقاومة، لكن السلطات في تلك الدول كانت أكثر استعدادا للسماح للشيخ إمام ونجم بترديد الأغاني والأشعار التحريضية (ضد سياسات السادات تحديدا) بسبب خلاف تلك الأنظمة مع نظام السادات بعد كامب ديفيد.

وبعد اغتيال السادات في 1981 أطلق مبارك سراح إمام ونجم، وسمح لهما بالسفر خارج مصر وإقامة الحفلات في أوروبا والدول العربية، وكانت نظرة السلطة الجديدة شديدة الذكاء، فقد آثرت أن تقوم بـ”تصدير” الظاهرة أو بالأحرى”نفيها” خارج الحدود، وبالتالي جعلها تذبل ثم تموت في الداخل، بينما لم تكن هناك خطورة من انتشارها المؤقت في الخارج.

وكان تصوّر السلطات المصرية آنذاك أن السماح لإمام ونجم بالسفر سيبعدهما عن محيطهما الطبيعي في مصر، ويجعلهما بالتالي يسبحان في مياه غريبة عليهما، الأمر الذي لا بد أن يساهم في “تغريب” الظاهرة وتحويلها إلى ظاهرة “فولكلورية” مصرية لا ضرر منها، خاصة وأن الاعتقاد السائد أن الإخوة العرب “الثوريين”، لن يتمكنوا أصلا من فهم الكثير من ألفاظ وكلمات الأغاني الموغلة في العامية المصرية.

وكان التصوّر السائد هو أن هؤلاء العرب الذين يرحبون بالشيخ إمام وأغانيه الثورية في بلادهم، تعجبهم طريقته الخاصة في السخرية اللاذعة، وأسلوبه في الأداء، وإيقاعات أغانيه ونغماتها التحريضية أكثر ممّا كانوا يفهمون معاني الكلمات نفسها.

وقد نجحت هذه الخطة كما أثبت الزمن، فقد فقدت ظاهرة إمام- نجم تأثيرها داخل مصر، وأصبحت ظاهرة احتفالية خارج مصر، إلى أن أعيد إنتاجها على نطاق ضيق للغاية في الاعتصام الكبير بميدان التحرير خلال انتفاضة يناير 2011.

ظلت ظاهرة إمام- نجم، وثيقة الصلة بحركة المعارضة لنظام السادات رغم أنها كانت قد بدأت في عصر الرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو 1967، ولكن المعارضة في ذلك العهد لم تكن واسعة النطاق على نحو ما أصبحت في زمن السادات، خاصة في الفترة بين الحربين، ففي عهد السادات أصبح التناقض فادحا بين المنظومة السياسية الرسمية والمنظومة الشعبية.

وقد تصوّر السادات في ما بعد حرب أكتوبر 1973 أنه قد حقّق قدرا من الاستقرار، وأن الأمور في الداخل لا بد أن تهدأ، لكن المعارضة استمرت وازدادت شراسة في الفترة من 1975 إلى 1979، واستمر الشيخ إمام ونجم في إقلاق مضاجع النظام، وألقى نجم قصيدته الشهيرة “هنا شقلبان” التي سخر فيها من السادات شخصيا، فكان مصير الاثنين السجن إلى أن اغتيل السادات.

مع السماح للشيخ إمام ورفيقه بمغادرة مصر والغناء في العواصم الأوروبية والعربية والحصول على أموال كثيرة من تلك الحفلات، أصبحت السلطات تراهن على أن جريان المال بين يدي الرفيقين الثوريين، سوف يتكفل إما بتغيير نظرتهما ونغمتهما “المتصلبة”، وإما بإفساد العلاقة في ما بينهما، وهو ما وقع بالفعل، ولكنها قصة أخرى!

16