تصريحات الساسة المعادية للإسلام تشوّه صورة أوروبا

الخميس 2014/06/12
الخطابات السياسية المعادية للإسلام والمسلمين تذكي نزعات الكراهية التي تترجم إلى أفعال وممارسات في الشوارع

جدّة - أثارت موجة التصريحات والممارسات المعادية للإسلام والمسلمين في الآونة الأخيرة ردود أفعال متعدّدة ومتنوّعة من عديد الجهات المعنيّة، خاصّة المؤسّسات الإسلاميّة التي استغربت مثل هذه الخطوات التي لا تحمل في طيّاتها غير بذور الكراهيّة. ويبدو أنّ أوروبّا كانت المصدر الرئيس لمثل هذه التصريحات، حيث لم يتوان سياسيّوها مؤخّرا عن كيل التهم الزائفة التي تحمل تحاملا كبيرا وتتّسم بكونها نابعة عن أفئدة تضمر العنصريّة والعداء للمسلمين وترفض التعايش معهم وتحضّ على عدائهم لأسباب لا يعلمها غير أصحابها. وفي هذا السياق تتنزّل تصريحات الرئيس التشيكي الأخيرة التي اتّهم فيها الإسلام جزافا بأنّه “أيديولوجيّة متطرّفة تشجّع على العنف”.

أوروبّا التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان، وتضمّ هيئات ومنظمات ضالعة في هذا المجال أخذت على عاتقها بثّ قيم التسامح والتعايش في الداخل الأوروبيّ وفي العالم، لم تكن عصيّة على الإختراق من قبل أصوات شاذّة لا مكان لمثل هذه القيم النبيلة في قلوبها، أصوات تعلي الكراهيّة ونبذ الآخر وتشجّع على إرساء العنصريّة، في مفارقة غريبة، حيث أنّ العالم ظنّ لوهلة أنّ مثل هذه النزعات قد ولّت وانتهت مع الحقبة النازيّة وما خلّفته الحرب العالميّة الثانية من فجائع ودماء، لتحلّ محلّها قيم التحابب والتآخي والتآزر بين الجميع على اختلاف أعراقهم ودياناتهم من أجل غد أفضل للبشر كافّة.

هذه الدعوات المعادية، خاصّة للأجانب والمسلمين على وجه التحديد، ليست نابعة بالأساس من آخر مختلف دينيّا بقدر ما تُحرّكها نزعات عنصريّة وقودها السياسة. فتصريحات زعيم “حزب الحرية” الهولنديّ، الذي يعرف بالسياسي الشعبوي، غيرت فيلدرز، المعادية للإسلام، ووصفه للدين الإسلامي بأنه “أيديولوجية متسمة بالعنف لا تختلف عن الشيوعية والفاشية”، تأتي في هذا الإطار. فيلدز الذي لا يخفي عداءه المقيت للأجانب والمسلمين طالب في مناسبات بوقف الهجرة إلى الدول الغربية من جميع الدول التي تقطنها أغلبية مسلمة.

كما أكّد فيلدرز في مقابلة سابقة أجراها مع التلفزيون الاستراليّ أنّه لا يهتم بمسألة أن تغضب تصريحاته المسلمين، وقال: “لا أهتم إذا شعر الناس بالإساءة لأنها الحقيقة”.

هذه التصريحات المتواترة والغريبة، بقدر ما جوبهت بتنديد وشجب واسعين من قبل منظمات عربيّة وإسلاميّة وعالميّة وصفتها بأنّها شاذّة ولا تتفق أصلا مع أخلاق المسلمين وجوهر الإسلام السّمح ودعواته للتحابب والتعايش والسلام، إلاّ أنّها وجدت لها صدى لدى ساسة آخرين لا يهمّهم في كلّ هذا غير نشر الأفكار المتطرّفة بين أتباعهم لتحقيق المكاسب السياسيّة فلكأنّ العالم جُعل لهم دون غيرهم، بحسب مراقبين.

تصريحات شاذة لا تتفق مع أخلاق المسلمين وجوهر الإسلام السمح ودعواته للتحابب والتعايش والسلام

وأحد أبرز هؤلاء الساسة، هو الرئيس التشيكي، ميلوش زيمان، الذي خطى على هدي فيلدز المُشرف على الهاوية بطبعه، وأعلن مرّات عديدة أنّه عدوٌّ لدود للإسلام والمسلمين.

ميلوش زيمان الذي كان قد دعا في وقت سابق إلى نقل سفارة بلاده في اسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلّة، في خطوة عداء مجانيّة، خالفت كلّ الأعراف والاتّفاقات، استغربتها منظمة التحرير الفلسطينيّة ورفضتها رفضا قاطعا، ووصفتها بأنها “تدمر عملية السلام”، والجهود المبذولة للتوصل لاتفاق حول قضايا الوضع النهائي، وفي مقدمتها القدس. حيث يطالب الفلسطينيون بأن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في العام 1967، ومنها القدس الشرقية، لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية.

شذُوذ هذا الموقف المنسوب للرئيس التشيكي، الذي يتعارض مع القانون الدولي ويعد انتهاكاً لقرارات الأمم المتحدة وللقانون الدولي وتطبيقات معاهدة جنيف، قال مراقبون إنّه يدلّ على “تزلف زيمان بكل الأثمان لدولة الاحتلال وأذرعها في بلاد التشيك وعدائه للمسلمين عموما، وعلى مدى عزلة موقفه الذي يتعارض مع مواقف الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي”.

ولكن على الرغم من الرفض الذي لقيه والانتقادات التي وجّهت إليه، إلاّ أنّ تصريحاته ومواقفه المعادية لم تتوقّف عند هذا الحدّ، ففي مايو الماضي، على إثر حادثة إطلاق نار شهدها المتحف اليهوديّ في بروكسيل، قال زيمان: “إن الأيدولوجية الإسلامية، وليست جماعات فردية تنتمي لأصوليين دينيين، هي التي تقف وراء أعمال عنيفة مشابهة للاعتداء بالأسلحة النارية التي تعرض لها المتحف اليهودي”.

الدعوات المعادية، ليست نابعة بالأساس من آخر مختلف دينيا بقدر ما تحركها نزعات عنصرية وقودها السياسة

هذه التصريحات الأخيرة التي مسّت مشاعر مئات الملايين من المسلمين المنتشرين في جلّ أصقاع العالم، وجدت هي الأخرى رفضا واسعا وتنديدا بها.

فقد ندّدت به الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان، من جهتها، وقالت إنّ هذا التصريح قد استند إلى قولبة نمطية معادية للإسلام وإلى تصورات مغلوطة ومنافية للحقيقة ومضَّللة، واعتبرته مظهرا صريحا من مظاهر الكراهية ويشكل تحريضا على العدائية والعنف، وفقا لما نصت عليه المادة (20) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

ودعت الهيئة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والهيئات ذات الصلة التابعة للمجلس الأوروبي والاتحاد الأوروبي إلى إيلاء الاهتمام اللازم لتطور من هذا القبيل، وذلك من أجل نبذ هذا النوع من التصريحات المسيئة، وكذلك لحث كافة الزعماء السياسيين على تلافي التلفظ بالعبارات المحرضة على الكراهية والتمييز والعنف ضد الأشخاص والجماعات على أساس الدين أو المعتقد.

ومن جهتها، نددت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بشدة بهذا التصريح، وشجبت، قول زيمان الذي اعتبرت أنّه يتضمن “افتراء واضحا و تحريضا على كراهية المسلمين وتشجيعا للتمييز العنصري ضدهم، كما يتعارض مع الجهود الدولية الهادفة إلى محاربة الإسلاموفوبيا، وتعزيز الحوار بين الثقافات، والتعايش بين أتباع الأديان، واحترام حقوق الإنسان”.

13