تصعيد أميركي لفظي ضد إيران ينتظر التنفيذ

الاثنين 2017/10/16

يتضح من رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الطلب من الكونغرس المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران، أن الإدارة الأميركية تعتزم القطع مع السياسات التي تم انتهاجها، في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما، في خصوص التعامل مع الجمهورية الإسلامية في إيران.

فبدلا من التسامح مع سياساتها، واستخدامها في تمرير سياسات أميركية معينة في منطقة الشرق الأوسط، ثمة سياسة تقوم على التصعيد معها، وتالياً عزلها وتحجيمها، وهو ما تجلى في تصريحات أركان هذه الإدارة منذ قدومها، من الرئيس دونالد ترامب، إلى وزيري الخارجية والدفاع، وصولاً إلى مستشار الأمن القومي، ومندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هالي.

بيد أن هذا التطور يفيد في مراجعة السياسة الأميركية التي تم انتهاجها في عهـدي الرئيسين السـابقين، إزاء إيـران، حيـث من الصعب إنكار حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية بالذات، وبدءاً من عهد بوش الابن (2001 – 2009)، هي التي كانت وراء صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، وذلك عبر تمكينها، مع الميليشيات الطائفية العراقية الموالية لها، من السيطرة على العراق إثر غزوه في العام 2003، وإسقاط نظام صدام حسين.

صحيح أن إيران كانت لديها طموحات تمدّد إمبراطورية قبل ذلك بداية من لبنان، وضمن ذلك رعايتها لحزب الله، وتحويله إلى دولة داخل دولة، منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وبتغطية من الادعاء بمقاومة إسرائيل، إلا أن هذا التمدد لم يكن يشكل فرقا، لأن النظام السوري هو الذي كان يسيطر على لبنان وقتها، وكانت إيران ورقة في يد حافظ الأسد لابتزاز الأنظمة العربية.

المعنى أن المشروع الإقليمي لإيران اشتغل على نحو أكثر فاعلية من منصّة العراق، بالاستناد إلى قاعدة طائفية مذهبية، وهو من هذه المنصة استطاع تحويل سوريا ولبنان إلى ورقة في خدمة المشروع الإمبراطوري الإيراني، وإلى ورقة ضغط في مواجهة الدول العربية الأخرى المناهضة للسياسات الإيرانية الطائفية والتوسعية في المنطقة، وبالأخص دول الخليج العربي.

الحديث الأميركي يدور عن استراتيجية جديدة تهدف إلى كبح نفوذ إيران وردع عدوانها، وتعزيز تحالفات واشنطن والشراكات الإقليمية في مواجهة دعم طهران للإرهاب، وضد أنشطة إيران التخريبية بغية استعادة التوازن والاستقرار في المنطقة

وللتذكير فإن الولايات المتحدة كانت سلّمت العراق لإيران، على طبق من فضة، علماً أن نظام “الولي الفقيه”، الذي كان يدّعي العداء للولايات المتحدة، باعتبارها “الشيطان الأكبر”، تواطأ معها مباشرة في غزوها لأفغانستان (2002) ثم للعراق (2003)، سعيا منه لتوثيق علاقاته معها، لاستغلال الاضطراب الحاصل في العلاقات الأميركية مع بعض الدول العربية، على خلفية الهجوم الإرهابي في نيويورك وواشنطن (11 سبتمبر 2011).

وللتذكير، أيضا، فإن هذا الهجوم جعل الولايات المتحدة، آنذاك، تراجع واحدا من أهم مرتكزات سياستها في الشرق الأوسط، المتعلق بالحفاظ على استقرار الأنظمة الصديقة، وذلك من خلال تبنيها مبادرة “نشر الديمقراطية” (2002)، والتي تقتضي إدخال تغييرات على الأنظمة العربية السائدة، وإصلاح أحوالها، السياسية والاقتصادية والتعليمية، وهو ما أثار مخاوف الدول المعنية وجعلها تحجم عن أي مداخلة في العراق قد تمس السياسة الأميركية فيها.

ولعل هذا المدخل هو الذي يفسّر ترك الولايات المتحدة العراق لإيران، بل وتمكين صعودها في الشرق الأوسط، خصوصا أن دورها في لبنان في مواجهة إسرائيل، من خلال حزب الله، تم إغلاقه، إثر انسحاب إسرائيل من الجنوب (في العام 2000)، ووقف مقاومة حزب الله نهائيا (باستثناء لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين في العام 2006 التي أتت للتغطية على اغتيال رفيق الحريري).

ومعلوم أن هذه التطور جعل حزب الله يكشف عن وجهه الحقيقي كحزب طائفي وسلطوي وديني، وكذراع إقليمية لإيران، كما جعله يحوّل بندقيته للاستخدام في الداخل اللبناني، في الصراعات على السلطة والنفوذ في لبنان، وهو المسار الذي جعله، في ما بعد، يشارك في الدفاع عن نظام بشار الأسد بين جملة الميليشيات المذهبية التابعة لإيران، العراقية والباكستانية والأفغانية، والتي تشارك بوحشية في وأد تطلع السوريين للحرية والديمقراطية.

والحقيقة التي ينبغي الانتباه إليها جيدا أن عوائد الاستثمار الأميركي في المنطقة (وتسامح إسرائيل مع ذلك) كانت أكبر بكثير من الضرر الناجم عن ذلك، على أميركا وإسرائيل، مع علمنا أن هذا الاستثمار استنفذت أغراضه، إذ تم الضغط على الأنظمة العربية، كما أتمت إيران مهمتها في تصديع وحدة الدولة ووحدة المجتمع في المشرق العربي، وخاصة إثارة النعرة الطائفية المذهبية بين الشيعة والسنّة، بل وتقويض استقرارها (العراق وسوريا خاصة)، بحيث أضحت إسرائيل في بيئة آمنة لعقود.

ولعل هذا يفسر التصعيد الأميركي ضد إيران، في هذه المرحلة، إذ أنها استطالت أكثر مما يجب، ويبدو أنه آن الأوان لتحجيمها، إن على صعيد الملف النووي، أو على صعيد نفوذها الإقليمي، ومن مدخل ضم الحرس الثوري إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

الحديث الأميركي الآن يدور عن استراتيجية جديدة، بحسب بيان البيت الأبيض، “تهدف إلى كبح نفوذ إيران وردع عدوانها”، و“تعزيز تحالفات واشنطن والشراكات الإقليمية في مواجهة دعم طهران للإرهاب، وضد أنشطة إيران التخريبية، بغية استعادة التوازن والاستقرار في المنطقة”، وأن “واشنطن ستواصل العمل من أجل عدم السماح للنظام الإيراني، خصوصا الحرس الثوري، بتمويل النشاطات الخبيثة”.

على ذلك يبدو أننا إزاء لحظة جديدة في السياسة الأميركية في المنطقة قوامها تحجيم نفـوذ إيـران الإقليمي، التي باتـت أحد أهم محركات الاضطراب في الشرق الأوسط.

كاتب سياسي فلسطيني

8