تصعيد إيران وحزب الله يفرض معطيات جديدة على موقف مصر

الأحد 2017/11/26

عند تصاعد حدة الأزمة اللبنانية وما رافقها من تصعيد بين السعودية من جهة وإيران والميليشيات الإرهابية الموالية لها من جهة أخرى، تدخلت مصر في محاولة لتهدئة الوضع لكن أيضا مع توجيه رسائل في الوقت نفسه بأنها تفضل آلية الحوار على المواجهة العسكرية التي قد تفرض تداعيات غير محمودة العواقب.

وقال الرئيس عبدالفتاح السيسي “لست مع حل أيّ قضية بالحرب.. ولنا تجربة في الحرب..الحرب دائما تجارب مريرة ولها نتائج صعبة”، داعيا إلى الحوار والنقاش، باعتبار أن “المنطقة بها ما يكفيها من أزمات”.

وتوازى ذلك مع تحركات دبلوماسية قامت بها مصر من أجل تقليص مستوى التصعيد، بدأها السيسي بلقائه مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري على هامش منتدى الشباب الذي عقد في شرم الشيخ في الرابع من نوفمبر الجاري، وتبعتها الجولة السداسية التي قام بها وزير الخارجية سامح شكري للأطراف العربية المعنية بالأزمة، ثم المباحثات التي شاركت فيها مصر على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب في الـ19 من الشهر ذاته.

وأشارت تقارير عديدة إلى أن مصر وجهت رسائل غير مباشرة إلى إيران، وربما حزب الله، لتخفيف حدة التصعيد، وهو ما يبدو أنه سيكون أحد محاور الزيارة التي سيقوم بها الرئيس السيسي إلى سلطنة عمان في اليوم الـ26 من نوفمبر.

حرص القاهرة على الدخول على خط المساهمين في تهدئة الوضع اللبناني يمكن تفسيره في ضوء اعتبارات رئيسية أربعة، يتمثل الأول في العمل على تحييد أيّ تداعيات سلبية قد يفرضها التصعيد في لبنان على الأزمة المستمرة مع قطر منذ خمسة أشهر، باعتبار أن الأزمة الأخيرة هي الأهم بالنسبة إلى القاهرة في الوقت الحالي، خاصة في ظل ارتباطها بالجهود الحثيثة التي تبذلها في محاربة الإرهاب وتجفيف مصادر دعمه الإقليمية.

وينصرف الثاني إلى محاولة القاهرة تجنب نشوب صراع جديد في المنطقة سوف يتخذ طابعا طائفيا من اللحظة الأولى. وهنا، فإن المسألة لا تعود فقط إلى أن رفض الانخراط في صراع طائفي يمثل محددا أساسيا في السياسة الخارجية المصرية، خاصة أن القاهرة لا ترى نفسها معبرة عن طائفة معينة، وإنما تعود أيضا إلى أن هذا الصراع سيصب في صالح قوى إقليمية تسعى إلى تأجيج الخلافات والأزمات القائمة، باعتبار أن ذلك يمثل آلية مستقرة لديها لتعزيز قدرتها على ممارسة دور إقليمي بارز، وفي مقدمتها إيران وتركيا.

ويتعلق الثالث بأن أيّ مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة يمكن أن تؤثر سلبيا على الحرب ضد الإرهاب، وهي إحدى القضايا التي تحتل مكانة متقدمة في أولويات مصر، فضلا عن أنها سوف تعيد خلط الأوراق داخل سوريا بشكل قد لا يتوافق مع حسابات القاهرة، التي دخلت في الشهور الأخيرة على خط الجهود المبذولة للوصول إلى اتفاقات تهدئة في بعض المناطق، وكان آخرها اتفاق خفض التصعيد في جنوب دمشق والذي وقع في الـ8 من أكتوبر الماضي.

إلى جانب أنها قد تؤثر على المساعي التي بذلتها مصر من أجل إنجاز المصالحة الفلسطينية بين السلطة وحركة حماس في الـ12 من أكتوبر 2017، خاصة في ظل العلاقات التي تربط الأخيرة بكل من إيران وحزب الله، والتي انعكست في الزيارات التي قام بها وفد من مكتبها السياسي إلى طهران وبيروت للنقاش حول المعطيات الجديدة التي فرضتها المصالحة والتي استغلتها طهران وحزب الله لتأكيد أنهما ليسا بعيدين عن الترتيبات السياسية والأمنية التي ستتم صياغتها في الأراضي الفلسطينية في مرحلة ما بعد إبرام المصالحة.

وكان لافتا أن زيارة وفد حماس إلى طهران برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري توازت مع تصريحات لرئيس المكتب في قطاع غزة يحيى السنوار أكد فيها أن “إيران هي الداعم الأكبر بالسلاح والمال والتدريب لكتائب القسام”، وهي إشارة لا تخلو من دلالات عديدة بالنسبة إلى الأطراف المعنية بالتداعيات الإقليمية للمصالحة.

ويرتبط الرابع بسلة الملفات الضاغطة التي تواجهها القاهرة في آن واحد. فإلى جانب الحرب ضد الإرهاب التي تحتل الأولوية، فإن ملف سد النهضة ما زال يشغل حيزا كبيرا من اهتمامات القاهرة، خاصة في ظل التعثر الحالي في المباحثات الفنية الخاصة بالسد وهو ما دفع القاهرة إلى توجيه رسالة مباشرة على لسان الرئيس السيسي بأن “مياه النيل مسألة حياة أو موت” وأنّ “لا أحد يستطيع التأثير على مصدر المياه الرئيسي للبلاد”.

كما أن القاهرة ما زالت منخرطة في جهود حثيثة لدعم الاستقرار في ليبيا ومحاولة تغيير الموقف الدولي الذي ما زال متحفظا إزاء رفع الحظر على واردات السلاح للجيش الليبي من أجل تعزيز قدرته على محاربة التنظيمات الإرهابية.

وهنا، فإن القاهرة لا تريد إضافة ملف ضاغط جديد على الساحة الإقليمية، خاصة أن المعطيات تشير إلى أن تمادي إيران وحزب الله في إجراءاتهما التصعيدية سوف يزيد من احتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية ضد مواقع الحزب، باعتبار أن ذلك قد يمثل الخطوة الأولى في تفعيل الاستراتيجية الأميركية الجديدة ضد إيران التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب في الـ13 من أكتوبر الماضي.

لكن هذه الاعتبارات في مجملها لا تعني بالطبع أن القاهرة يمكن أن تتسامح مع التصعيد المستمر من جانب إيران والميليشيات الموالية ضد حلفائها، وإمعان هذه الأطراف في تهديد أمن واستقرار دول الخليج سوف يدفع القاهرة إلى تأكيد التزامها بأمن شركائها، خاصة أن الجهود التي تبذلها أطراف عديدة، ومنها القاهرة، لم تجد آذانا صاغية في طهران والضاحية حتى الآن.

وبمعنى آخر، فإن التهديدات المتواصلة من جانب إيران وحزب الله فرضت معطيات جديدة في المنطقة سوف تضعها القاهرة في حساباتها، وهو ما بدأ ينعكس في اجتماع وزراء الخارجية العرب في الـ19 من نوفمبر الجاري، والذي أدان إطلاق الحوثيين الصاروخ الباليستي على الرياض في الرابع من نوفمبر الحالي، وندد بجميع الأعمال الإرهابية التي تقوم بها إيران خاصة في البحرين واتهم حزب الله بتدريب ودعم جماعات إرهابية تهدد أمن واستقرار السعودية والبحرين.

لكن الخطوة التي ربما تفرض تأثيرا أكبر تتمثل في دعوته إلى نقل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن مرة أخرى، من خلال مطالبة المجموعة العربية في الأمم المتحدة بإجراء اتصالات مع الأطراف المعنية لعقد جلسة لمناقشة التهديدات الإيرانية والانتهاكات المستمرة من جانب طهران لقرارات مجلس الأمن خاصة ما يتعلق بالقرارين 2231 الخاص بالاتفاق النووي و2216 الخاص باليمن.

ومن دون شك فإن ذلك يعزز توجه بعض القوى الدولية نحو فرض عقوبات جديدة على إيران باعتبار أن تهديداتها المتصاعدة لدول المنطقة تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها لم تلتزم بالاتفاق النووي، وهو ما سوف يفتح الباب أمام استحقاقات استراتيجية جديدة في المنطقة لن تكون القاهرة بعيدة عنها في كل الأحوال.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

6