تصعيد الهجمات الضريبية يهدّد مناخ الاستثمار المصري

تبدو القاهرة كأنها فقدت بوصلتها التشريعية في سعيها المحموم لزيادة الضرائب، التي أدخلتها في مواجهة جديدة مع قطاع كبير من المصريين، وذلك إثر الإعلان عن تعديل قانون الضريبة على الدخل، بعد أقل من أربعة أسابيع على إقراره من مجلس النواب.
الأربعاء 2018/08/01
جباية الضرائب بأي وسيلة وبأي ثمن

القاهرة – أكد اقتصاديون حالة الارتباك التي تحيط بمسار تشريع قانون الضريبة على الدخل في مصر، تبعث رسالة سلبية مقلقة، تؤكد عدم جاهزية مناخ الاستثمار وترسي مبدأ الجباية الضريبية بأي وسيلة لسدّ العجز المستمر في الموازنة العامة من جيوب أصحاب الدخول المحدودة.

وأشاروا إلى أن خضوع قانون ضريبة الدخل إلى سلسلة من التعديلات خلال الأعوام الماضية أفقدته مضمونه وباتت تستهدف الشرائح الأقل دخلا، وتتوسع في إعفاء أصحاب الدخول العليا.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”العرب” أن الحكومة شكـلت لجنة لصياغة مشروع جديد لضريبة الدخل، وتسعى لعرضـه على البرلمـان المصري لإقـراره من أجل إدخـاله حيز التطبـيق، قبل نهـاية العـام المالي الحالي.

وأضافت المصادر أن اللجنة تدرس مبدئيا إضافة المتغيرات الحالية من عمليات التجارة الإلكترونية والإعفاءات وشرائح الدخل وسعر الضريبة وغيرها من البنود التي لم يعد يصلح القانون الحالي للتعامل معها.

وقال اقتصاديون إن شرائح الضريبة وفقا للقانون الحالي الذي تم تعديله قبل شهر تحمل في ظاهرها خصما ضريبيا، لكنها لا تحقق مبدأ العدالة.

وأكدوا أن تلك الشرائح تحتاج إلى إعادة هيكلة لأنها تساوي في الشريحة الثانية بين من يصل دخله السنوي إلى 451 دولارا فقط وبين من يحصل على نحو 1690 دولارا، إضافة إلى اختلالات مماثلة في بقية الشرائح.

ويتم بموجب القانون الحالي إعفاء من لا يتجاوز دخله السنوي حاجز 450 دولارا فقط، وفق الشريحة الأولى في قانون ضريبة الدخل، والتي تعادل حوالي 37.5 دولار شهريا وهي مستويات تقل عن خط الفقر الرسمي بنحو 7.5 دولار.

وتصل نسبة الضريبة إلى 22.5 بالمئة في تلك الشريحة التي تضم السواد الأعظم من المصريين، سواء من العاملين في الجهاز الإداري للدولة أو القطاع الخاص.

ويضع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي، خط الفقر في مصر عن مستوى دخل يبلغ 45 دولارا للفرد شهريا، أي نحو 1.5 دولار في اليوم.

وتصل نسبة الفقر في مصر وفق تلك التقديرات إلى نحو 27.8 في المئة من عدد السكان المقيمين في البلاد والبالغ عددهم أكثر من 97 مليون نسمة، ما يعني أن هناك حوالي 27 مليون شخص تحت خط الفقر.

أما الشريحة الثانية فإنها تبدأ من مستوى دخل سنوي يبلغ 451 دولارا وتمتد إلى 1690 دولارا وتقع هذه الشريحة الواسعة تحت طائلة الضريبة مع منحها إعفاء بنسبة 85 في المئة من قيمة الضريبة.

محمد فريد خميس: الضريبة التصاعدية تحقق العدالة ونطالب الحكومة برفع الحدّ الأدنى للأجور
محمد فريد خميس: الضريبة التصاعدية تحقق العدالة ونطالب الحكومة برفع الحدّ الأدنى للأجور

وتبدأ الشريحة الثالثة من مستوى دخل سنوي يبلغ 1690 دولارا وتمتد إلى مستوى 2540 دولارا. ويتم منحها خصما ضريبيا بنسبة 45 في المئة، في حين تحصل الشريحة الرابعة التي تبدأ من 2540 دولارا وتمتد إلى 11300 دولارا على خصم ضريبي بنسبة 7.5 بالمئة.

وطالب خبراء ومحللون بضرورة مد مساحة الإعفاء الضريبي ليشمل جميع من لا يزيد دخله السنوي على 1350 دولارا على أقل تقدير، وخاصة بعد الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والمياه والكهرباء وغاز المنازل، التي فاقمت متاعب الفقراء.

وقال البنك الدولي إن ارتفاع معدل التضخم المتراكم على مدى السنوات المالية الماضية منذ عام 2015 أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للأسر المصرية الأمر الذي حد من الآثار الإيجابية غير المباشرة للنمو الاقتصادي وأثر بشدة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وتقدمت لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب بمشروع قانون للضريبة التصاعدية على الدخل، تصل نسبتها إلى نحو 30 بالمئة على من يزيد دخلهم السنوي عن 56 ألف دولار.

وقال محمد فريد خميس رئيس الاتحاد المصري للمستثمرين في تصريحات لـ”العرب” إن الضريبة التصاعدية تحقق العدالة الضريبة، مقترحا زيادة سعر الضريبة إلى 25 بالمئة على أصحاب الدخول التي تصل إلى نحو نصف مليون جنيه سنويا (28 ألف دولار).

وطالب هاني دميان، وزير المالية الأسبق بفرض ضريبة على الأغنياء بنحو خمسة بالمئة لمدة ثلاث سنوات بهدف دعم اقتصاد البلاد.

وقد رحب عدد من رجال الأعمال بذلك الاقتراح ومن بينهم نائب رئيس اتحاد رجال الأعمال العرب حسين صبور، لكن منظمات الأعمال رفضت الفكرة، وقالت إنها تبعث “رسالة تعكس حالة عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد”.

وسبق أن جربت دول أخرى فرض ضريبة كبيرة على الأغنياء مثل فرنسا، إلا أن المحكمة الدستورية في باريس أوقفت تلك الخطط وألغت الضريبة التي كان مقررا أن تصل نسبتها إلى نحو 75 بالمئة على شريحة الدخل السنوي الذي يتجاوز مليون يورو.

واقترح فريد خميس زيادة الحدّ الأدنى للأجور إلى نحو 2000 جنيه شهريا (112 دولارا) بدلا من سقف الحد الأدنى الحالي والذي يبلغ نحو 1200 جنيه شهريا (67 دولارا).

وتعتمد مصر على الحصيلة الضريبية بشكل أساسي في تمويل جزء كبير من موازنتها العامة، حيث تساهم الضرائب في تمويلها بحوالي 54 في المئة.

وأكد عماد سامي، رئيس مصلحة الضرائب، أن المصلحة تستهدف حصيلة ضريبية خلال العام المالي الحالي تصل إلى نحو 771 مليار جنيه (43 مليار دولار) في وقت يصل فيه إجمالي إنفاق البلاد في الموازنة الجديدة 2018-2019 إلى نحو 1424 مليار جنيه (80 مليار دولار).

وأضاف سامي في تصريحات لـ”العرب” أن تلك الأرقام المستهدفة تستلزم توسيع القاعدة الضريبية وزيادة عدد المواطنين المشمولين من خلال مكافحة مختلف أشكال التهرب من الضرائب، فضلا عن مراقبة تعاقدات لاعبي كرة القدم، والتي بدأت تتصاعد قيمتها بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

وكشفت مصادر مسؤولة في وزارة المالية المصرية أن الاعفاءات في قانون الضريبة على الدخل الحالي من المتوقع أن تقلص إيرادات الدولة من الضرائب بما يصل إلى 3.4 مليار دولار، نتيجة رفع حد الإعفاء الضريبي من 425 دولارا سنويا إلى نحو 450 دولارا.

وأكد معتز رسلان، رئيس مجلس الأعمال المصري الكندي في تصريحات لـ”العرب”، أن حزمة التعديلات التشريعية الضريبية التي يتم الإعلان عنها من قبل الحكومة المصرية تعكس حالة من الارتباك والضبابية.

وقال إنها تضاعف من هواجس ومخاوف المستثمرين المحليين والأجانب لأن الاستقرار التشريعي يعد من أهم محفزات جذب الاستثمارات.

11