تصعيد غير مسبوق يهدد الاستقرار السياسي في تونس

تعيش تونس منذ أيام على وقع توتر سياسي بدأ منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا وانسحاب حزب آفاق تونس من الحكومة، وهو ما دفع اتحاد الشغل إلى تحذير الأطراف السياسية من أزمة قد تعصف بالانتقال الديمقراطي للبلاد.
السبت 2017/12/23
كيف يخرج من المأزق

تونس - تشهد تونس منذ أيام تصعيدا سياسيا غير مسبوق وسط حراك مُتداخل لا يجتمع على كلمة سواء، انطلق من خلفيات ومرجعيات وحسابات مختلفة، ليدفع بملف الاستقرار السياسي بأبعاده المتنوعة إلى صدارة المشهد الداخلي.

واعتبر رضا بلحاج الأمين العام لحركة “تونس أولا” أن المشهد السياسي في تونس وصل إلى درجة من الضبابية وانعدام الثقة باتت تستدعي التفكير جديا في عقد مؤتمر وطني تنبثق عنه حكومة إنقاذ قادرة على تأمين مسار الانتقال الديمقراطي، وإنقاذ البلاد من أزماتها المتنوعة.

وقال لـ”العرب”، إن التشنج الراهن الذي يسود المشهد السياسي يعود إلى جملة من العوامل التي تراكمت خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى إضعاف الحزام السياسي حول الحكومة التي “انحرفت عن مهامها، وأضحت تعمل من اجل تمرير أجندة خاصة بها”.

وطغى هذا التوتر السياسي على كل القضايا الهامة والتحديات المطروحة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وهمشها، واضعا بذلك الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد أمام وقائع قد يتعذر عليها تجاهلها، خاصة وأنها تحمل بين طياتها مقدمات لمسار خطير، على وقع تصاعد التوتر السياسي الذي تسبب في إرباك على كل المستويات الحزبية والحكومية. وأطلقت هذه التطورات المتلاحقة، الحديث عن الخيارات المفتوحة للتعامل مع هذا الوضع المتسم بالضبابية والتوتر ومشهد حزبي يتهاوى على وقع الخلافات والانقسامات التي لا أحد بإمكانه تحديد مآلاتها.

مخاوف من عرقلة النهضة لتجريم التطبيع
تونس - طفت مسألة تجريم التطبيع مع إسرائيل في تونس على السطح مجدّدا إثر الجدل الكبير الذي أثاره قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

ووافق البرلمان التونسي الخميس على النظر في مشروع قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل وذلك إثر عريضة تقدّم بها قرابة 100 نائب.

ومن المنتظر وفق مكتب البرلمان التونسي إدراج مشروع هذا القانون ضمن الجلسات العامة لمجلس النواب.

ورغم عدم وجود أيّ علاقات دبلوماسية رسمية لتونس مع تل أبيب، فإنّ الأحزاب القومية واليسارية تحديدا اتّهمت أطراف الحكم وتحديدا حركة النهضة الإسلامية بالتلكؤ وعدم وضوح مواقفها حيال مسألة تجريم التطبيع.

ولا تُخفي الأطراف السياسية خشيتها من عرقلة مشروع القانون خاصة من قبل الكتلة البرلمانية لحركة النهضة الأكبر حجما وتمثيلا في البرلمان.

وتتّهم المعارضة في تونس حركة النهضة الإسلامية منذ رفضها تضمين مسألة التطبيع مع إسرائيل ضمن دستور 2014، بالمراوغة وبضبابية المواقف حيال القضية الفلسطينية.

وتزامنا مع موافقة البرلمان على مناقشة مشروع قانون التطبيع، أعاد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في تونس نشر صور لمعانقة أمين عام الحركة السابق ورئيس الحكومة التونسية الأسبق حمادي الجبالي مع السيناتور الأميركي جون ماكين الذي يُعتبر أحد أكبر مناصري إسرائيل بالولايات المتحدة.

كما ذكّروا بالتصريح الذي أدلى به رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في عام 2014 لإذاعة “صوت إسرائيل” على هامش مشاركته في منتدى دافوس العالمي وتأكيده على أن الفلسطينيين وحدهم القادرون على تقرير طبيعة علاقاتهم مع إسرائيل.

وبدأ هذا التصعيد السياسي غير المسبوق والمفتوح على كل الاحتمالات، عندما أعلن حزب “آفاق تونس” انسحابه من الحكومة الحالية، ليلتحق بذلك بالحزب الجمهوري الذي كان قد انسحب من الحكومة في نوفمبر الماضي.

واتخذ هذا التصعيد منحى خطيرا بعد نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية بدائرة ألمانيا التي فاز فيها ياسين العياري المقرّب من حركة النهضة، ما يكشف عن عمق الأزمة التي تعيشها الأحزاب الحاكمة، وخاصة منها حركة نداء تونس، حيث أحدثت تلك النتائج “زلزالا” سياسيا أدخل البلاد في مرحلة جديدة بالغة التعقيد. وعكست هذه المرحلة ملامح مناخ سياسي متوتر، ومشهدا حزبيا مشوشا تتقاذفه الحسابات الضيقة التي تسببت في تبادل الاتهامات، الذي تطور وصولا إلى الدعوة لإسقاط الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

وانضم الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد) إلى هذا الصراع المتواتر، حيث صعّد من خطابه السياسي، وذلك في تطور لافت، يُنذر بمفاجآت مُرتقبة قد تُعيد تشكيل الخارطة السياسية في البلاد.

وحذّر بوعلي المباركي الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل في تصريحات إذاعية بُثت مساء الخميس من خطورة تأزم الوضع السياسي في البلاد، وأكد أن الوضع السياسي المتأزم في تونس″ أصبح يُهدد مسار الانتقال الديمقراطي، وسيؤدي إلى تداعيات خطيرة”.

واعتبر نورالدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أن تونس تعيش “أزمة أخلاق سياسية، وأزمة مراهقة سياسية”، و” توافقا مغشوشا ومُحاصصة مفضوحة”، لافتا إلى أن البعض همهم الوحيد المناصب والنفوذ.

ووجّه الطبوبي انتقادات مباشرة للحكومة الحالية، قائلا “هناك تفكّك في الأداء الحكومي تجلّى في عمل كل وزارة على حدة… كل واحد يتحدث عن حزبه، ولا يحكي في اطار منظومة حكم متكاملة ومتجانسة في أدائها وموحدة في خطابها وفي سياستها”.

ولم يكتف بذلك، وإنما ذهب بعيدا، حيث دعا السلطات السياسية في بلاده إلى “تحمّل مسؤولياتها كاملة، أو إرجاع الأمانة إلى الشعب ليقول كلمته الفصل”، وذلك في إشارة فُهم منها العودة إلى صندوق الاقتراع في انتخابات مُبكرة.

ورأى رضا بلحاج في تصريحه لـ”العرب”، أن تدحرج المشهد السياسي في البلاد إلى هذا الوضع الخطير، كان مُتوقعا نتيجة فشل الحكومة الحالية في إدارة الأزمات المُتعددة التي تعاني منها البلاد، وبعد تفكّك حزامها السياسي إثر مغادرة حزب آفاق تونس الائتلاف الحاكم.

واعتبر أن المطلوب الآن هو تضافر جهود جميع الأحزاب والقوى للذهاب إلى مؤتمر وطني تنبثق عنه حكومة إنقاذ تكون بديلة للحكومة الحالية، يتم في تشكيلتها القطع مع المُحاصصة الحزبية، حتى تكون قادرة على إنقاذ البلاد والمرور بها إلى الاستحقاقات القادمة.

4