تصعيد نقابي جديد يعيد رسم الاصطفافات السياسية في تونس

التطورات المتلاحقة التي تشهدها تونس ستفرز موازين قوى جديدة، سيكون لها كبير الأثر في ضبط الإيقاع السياسي العام في البلاد، لجهة تغيير المعادلة السياسية الراهنة.
الاثنين 2019/01/21
الغضب يتفاقم

توقعات بأن تكون للتصعيد النقابي في تونس تداعيات على المشهد السياسي، بإعادة رسم الاصطفافات السياسية تمهيدا للانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع إجراؤها في الخريف المقبل.

تونس- لم يستبعد محسن مرزوق، الأمين العام لحركة مشروع تونس، أن تتأثر توازنات المشهد السياسي في بلاده، بتوابع التصعيد النقابي الجديد الذي عكسه الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، ومجمل القطاع العام الذي قرر الاتحاد العام التونسي للشغل تنفيذه يومي 20 و21 فبراير المقبل.

وقال لـ”العرب” إن كل الاحتمالات واردة، لأن تداعيات هذا التصعيد لن تقتصر على الجانب الاجتماعي، وإنما قد تشمل دون شك المسار السياسي، في علاقة بالحكومة، وبقية الأطراف الحزبية، وخاصة منها تلك التي لا تُخفي سعيها لاستغلال وتوظيف حالة الاحتقان الاجتماعي، لتعيد فرض أولوياتها.

وأقر الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، تنفيذ إضراب عام جديد في قطاع الوظيفة العمومية، والقطاع العام، يومي 20 و21 فبراير المقبل، بسبب فشل مفاوضاته مع الحكومة برئاسة يوسف الشاهد، لإقرار زيادات في رواتب موظفي وعمال الوظيفة العمومية، والقطاع العام الذين يُقدر عددهم بنحو 750 ألف شخص.

ويأتي هذا القرار الذي يُوصف بـ”التصعيد الخطير”، بعد أيام من إضراب مماثل نُفذ الخميس الماضي، شمل مؤسسات ومنشآت القطاع العام، منها المدارس والكليات والجامعات، والوزارات والإدارات الحكومية، ومختلف القطاعات الخدماتية العامة مثل النقل البري والبحري والجوي والبريد، والكهرباء وتوزيع المياه، وقطاع الصحة، ووسائل الإعلام الرسمية وغيرها من الخدمات الأخرى.

وشل ذلك الإضراب الذي مازالت تداعياته الاجتماعية والسياسية تتفاعل على أكثر من صعيد، حركة النقل الجوي في مطار تونس قرطاج الدولي، ما تسبب في خسائر مادية فادحة قدرها إلياس المنكبي، الرئيس المدير العام للخطوط التونسية الجوية، بنحو 2 مليار دينار (689.655 مليون دولار).

وبرر الاتحاد العام التونسي للشغل قرار الذهاب إلى إضراب جديد بـ”انسداد المفاوضات الاجتماعية… وانعدام الثقة”، مبقيا في نفس الوقت، الباب مفتوحا أمام إمكانية إقرار تحركات أخرى، وصفها في بيان وزعته هيئته الإدارية بـ”أشكال نضالية جديدة” للدفاع عن موظفي وعمال القطاع العام الذين تدهورت طاقتهم الشرائية

وكان لافتا في ذلك البيان، النقطة الثامنة التي تضمنها، والتي دعا فيها اتحاد الشغل إلى “التسريع باستكمال المؤسسات الدستورية بتركيز المحكمة الدستورية، وترميم الهيئة العليا للانتخابات، وضمان استقلاليتها، وتحييد الإدارة والمساجد، وتطوير القوانين الخاصة بتمويل الأحزاب والجمعيات، لضمان انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة”.

واعتبر مراقبون أن هذه النقطة بأبعادها السياسية الواضحة، ستكون محددة لمسار العملية السياسية في البلاد، باعتبارها تنطوي على مفارقات حادة تستدعي إعادة قراءة المشهد في البلاد الذي يتدحرج نحو مأزق متعدد الجوانب، تراكمت تعقيداته على وقع الحسابات السياسية والحزبية المتناقضة.

وترسم هذه النقطة، الوجه الآخر من المشهد في البلاد في سياق التطورات العاصفة التي لم تنته فصولها بعد، الأمر الذي دفع محسن مرزوق إلى التحذير من التداخل بين النقابي والسياسي، لا سيما في هذه الفترة التي تنحو باتجاه إعادة الإصطفافات السياسية على وقع ارتفاع وتيرة التوتر والاحتقان التي تدفع بسيناريوهات المواجهة الاجتماعية إلى واجهة القراءات السياسية.

واعتبر أن هذا التداخل الذي يأتي وسط تصعيد يحمل في طياته المزيد من الغموض والضبابية، من شأنه تعميق الأزمة، لأنه يتناقض ومسارات المشهد السياسي المتعرج، خصوصا لجهة التباينات الحادة في الاستنتاجات، مع اقتراب موعد الانتخابات. وأعرب في هذا السياق عن أمله في أن “يتجنب الاتحاد العام التونسي للشغل الخوض في المضامين السياسية، والتركيز على المسائل الاجتماعية، بحثا عن حلول تراعي إمكانيات الدولة، والموازنة العامة، وتستجيب في نفس الوقت لتطلعات عموم موظفي وعمال القطاع العام”.

محسن مرزوق: تداعيات هذا التصعيد النقابي لن تقتصر على الجانب الاجتماعي
محسن مرزوق: تداعيات هذا التصعيد النقابي لن تقتصر على الجانب الاجتماعي

ولفت مرزوق الذي تشارك حركته “مشروع تونس” في الائتلاف الحاكم برئاسة يوسف الشاهد، إلى أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها البلاد “ليست توزيع الثروة، كما ينادي بذلك اتحاد الشغل، وإنما تكمن في إنتاج الثروة”، وبالتالي، فإن المطلوب حاليا هو تضافر جهود الجميع لـ”إنتاج الثروة والنمو الاقتصادي، كحل لرفع القدرة الشرائية للمواطن”. وفيما لم يتردد في المقابل في تحذير الاتحاد العام التونسي للشغل من مخاطر تغليب البعد السياسي عن النقابي، يرى مراقبون أن هذه التطورات المتلاحقة ستفرز موازين قوى جديدة، سيكون لها كبير الأثر في ضبط الإيقاع السياسي العام في البلاد، لجهة تغيير المعادلة السياسية الراهنة.

وتذهب القراءات السياسية المرافقة لهذه التطورات، إلى أن ارتدادات الإضراب العام المقرر في فبراير المقبل، ستساهم بشكل أو بآخر في تحديد سقف الاصطفافات الحزبية التي قد تطبع المشهد قبل الاستحقاقات الانتخابية المنتظرة في أكتوبر القادم، خاصة وأن اتحاد الشغل سبق له أن أكد أنه معني بها. وبدأت ملامح تلك الاصطفافات تتضح تدريجيا من خلال البيانات الحزبية المؤيدة للاتحاد العام التونسي للشغل، حيث أعربت سبعة أحزاب عن دعمها ومساندتها لتحركات اتحاد الشغل، وذلك في مقاربة سياسية تبدو لصيقة بالاستحقاقات الانتخابية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى أشهر قليلة.

لكن قراءة مساحة المتغيرات في المشهد السياسي التونسي على ضوء هذا التصعيد، وتضاؤل فرص احتواء تداعياته، تحيل في مجملها إلى مقاربات تبدو محاورها محكومة بهاجس الانزلاق نحو المواجهة التي ستحدد نتائجها سقف العملية السياسية.

4