تصعيد نقابي ينذر باشتعال المعركة مع السلطات في الجزائر

تشير التطورات السياسية في الجزائر إلى أن الأوضاع الاجتماعية تسير نحو المزيد من الاحتقان جراء سياسة التقشف التي بدأت الحكومة في تطبيقها وتعتزم تعزيزها بحزمة جديدة من التدابير التقشفية، في ظل تواصل انخفاض أسعار النفط الذي يعتبر الدخل الرئيسي للخزينة الوطنية الجزائرية.
الاثنين 2016/09/26
الدولة تحملهم ما لا يطيقون

الجزائر - توعّد تكتل نقابي بشن إضراب عام يومي 17 و18 أكتوبر القادم، احتجاجا على قانون التقاعد الجديد، الذي تنوي الحكومة تطبيقه مع مطلع العام القادم، ليعلن بذلك عن أولى إشارات الإنذار من الجبهة الاجتماعية للحكومة، بسبب حزمة التدابير التقشفية التي أقرتها منذ العام الماضي لمواجهة تداعيات الأزمة المالية التي تعصف بالبلاد، منذ منتصف العام 2014، بسبب تهاوي أسعار النفط وتقلص مداخيل البلاد.

وكشف تكتل نقابي، يتشكل من عدة نقابات مستقلة للعديد من القطاعات الحيوية في الوظيفة العمومية (تعليم، صحة وإدارة وغيرها)، عن تحديد موعد الـ17 والـ18 من الشهر المقبل، لشن إضراب وطني، تحذيرا للحكومة من مغبة الذهاب في تنفيذ أجندتها الاجتماعية الرامية إلى إعادة سن قانون جديد للتقاعد، وإقرار إجراءات تقشفية جديدة في قانون المالية للعام 2017، إلى جانب التراجع عن مكاسب اجتماعية تاريخية للطبقة الشغيلة في قانون العمل الذي تعتزم إصداره قريبا.

وقال بيان التكتل، الذي تحصلت “العرب” على نسخة منه، إن “النقابات المستقلة وبعد دراسة وضع الفئة العمالية في ضوء التطورات المنتظرة حول ملفات قانون العمل وقانون التقاعد والقدرة الشرائية، قررت شن إضراب عام في الـ17 والـ18 من الشهر القادم، ودعوة الحكومة إلى التراجع عن سلسلة التدابير التي تعتزم اتخاذها”.

مراقبون ينتقدون سعي السلطات إلى تعويض عجز الميزانية من جيوب المواطنين عوض النظر في حلول جذرية لسد عجز الموازنة

وأضاف البيان “الإضراب المقرر جاء بغرض تحقيق ثلاثة مطالب تتمثل في التراجع عن القرار المتخذ في اجتماع الثلاثية والمصادق عليه من قبل مجلس الوزراء، والمتعلق بإلغاء التقاعد المسبق والتقاعد دون شرط السن، وإشراك النقابات المستقلة في إعداد مشروع قانون العمل الجديد، إلى جانب حماية القدرة الشرائية لكل العمال والموظفين، لا سيما الفئات من ذوي الدخل الضعيف، والتحذير من الانعكاسات السلبية لمشروع قانون المالية للعام 2017”.

وحذرت النقابات المستقلة المجتمعة، السبت، بالعاصمة الحكومة من المساس بما أسمته “مكتسبات العمال ومن القرارات التي تتعارض مع روح الدولة الاجتماعية”، وشددت على أن الشريك الاجتماعي متمسك بالدفاع عن الطبقة الشغيلة ومستعد لتصعيد الاحتجاج من خلال شن إضرابات أخرى إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم.

ويعد الإضراب المعلن عنه، أولى المواجهات بين الجبهة الاجتماعية والحكومة بعد أشهر من الهدنة بين الطرفين، إذا استثنيت منها الحركات الاحتجاجية الفئوية المعزولة، ويشكل أول ردود الفعل على سلسلة من الإجراءات التقشفية التي أقرتها الحكومة منذ العام الماضي، لمواجهة تداعيات الأزمة المالية.

وكانت الحكومة قد أعربت على لسان رئيس الوزراء عبدالمالك سلال عن تمسّكها بإلغاء ما يعرف بـ”التقاعد المسبق والتقاعد النسبي”، وتحديده في سن الستين عاما لجميع العمال مع تشكيل لجنة لتحديد وتصنيف “المهن الشاقة” التي تستثنى من هذا الإجراء، كما اعترفت الحكومة بالصعوبات المالية التي تعيق عمل الصندوق خلال السنوات الأخيرة وتأثر حساباته بالأزمة المالية.

وتتخوف الجبهة الاجتماعية في الجزائر من تسريبات رشحت عن قانون المالية للعام 2017، تتضمن تدابير تقشفية جديدة، تتمثل في تراجع الخزينة العمومية عن دعم البعض من المواد الاستهلاكية، والرفع في رسوم وضرائب شاملة، مما سيزيد في تدهور القدرة الشرائية للمواطن والمتأثرة أصلا بالتدهور التدريجي للعملة المحلية خلال السنوات الأخيرة.

فرحات آيت علي: غياب الشفافية والتضامن في مواجهة الأزمة يمهد لإشعال الغضب الاجتماعي

ويعيب سياسيون ونقابيون وخبراء في الاقتصاد، على الحكومة لجوءها إلى الحلول السهلة، وسعيها المستمر إلى تعويض العجز في مختلف الموازين من جيوب الطبقة الشغيلة والهشة دون المساس بثروات الفئات الميسورة أو حتى مجرد التفكير في الحلول الناجعة التي تكفل الانتقال من الارتهان لبيع النفط إلى تنويع مصادر الدخل الوطني.

وذكر الخبير المالي والإطار السابق في وزارة المالية فرحات آيت علي في اتصال مع “العرب”، أن “غياب الشفافية في تسيير موازنات الدولة والافتقار إلى عامل التضامن في مواجهة الأزمة بين جميع الفئات الاجتماعية، يفقدان الحكومة المصداقية ويجعلان سياستها تمييزية تمهد لإشعال الغضب الاجتماعي، خاصة وأن الحاصل الآن هو أن البعض من الزيادات في الضرائب والرسوم تذهب إلى دعم المؤسسات (الفئات الميسورة) بحجة دعم الاقتصاد المحلي، وهو أمر غير محمود العواقب على الجهتين الاقتصادية والاجتماعية.

وتمر الجزائر التي تعتمد في مداخيلها على 98 بالمئة من عائدات النفط، بأزمة مالية خانقة منذ منتصف العام 2014، حيث لجأت الحكومة إلى تجميد الاستثمارات الحكومية ووقف التشغيل في القطاع الحكومي، وإقرار زيادات في الضرائب واستحداث رسوم جديدة، من أجل سد العجز المسجل في موازنتها والمقدر بثلاثين مليار دولار.

ووسط مؤشرات البؤس الاجتماعي في السياسة الحكومية، بدأت ملامح موجة من الغضب الاجتماعي تتوسع وتتجلى شيئا فشيئا في شكل احتجاجات قام بها سكان محافظات جنوبية للتنديد برفع أسعار الكهرباء التي تشهد استهلاكا كبيرا في فترة الصيف، ومسيرات جديدة لمنتسبين سابقين لوزارة التربية من المنتظر أن تنتقل، الثلاثاء القادم، من محافظة بجاية إلى العاصمة، تضاف إليها إضرابات عمالية للنقابات المستقلة.

4