تصفية الحسابات بين لندن وموسكو تبدأ بوسائل الإعلام

إغلاق "روسيا اليوم" في بريطانيا سيقابله رد مماثل في روسيا، والغرب ينظر إلى "روسيا اليوم" على أنها مجرد أداة لنشر البروباغندا.
الخميس 2018/03/15
دعاية تزعج الغرب

لندن - دخلت وسائل الإعلام في صلب التهديدات المتبادلة بين روسيا وبريطانيا على خلفية الاشتباه بمسؤولية موسكو عن تسميم عميل مزدوج سابق في بريطانيا، لتحتدم المعركة بين وسائل إعلام البلدين مع تبادل التصريحات النارية للمسؤولين فيهما.

وحذرت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الثلاثاء، من أنه لن يسمح لأي وسيلة إعلام بريطانية من العمل في روسيا في حال إغلاق محطة “روسيا اليوم” في بريطانيا.

وأضافت مساء الثلاثاء “لن تعمل أي وسيلة إعلام بريطانية في روسيا إذا أغلقوا روسيا اليوم”.

وذلك ردا على إعلان “أوفكوم”، الهيئة المنظمة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة في بريطانيا، أنه يمكن أن تتخذ قرارا بخصوص الترخيص الممنوح لشبكة “روسيا اليوم”، معتبرا أنها أداة دعاية موالية للكرملين.

ولا يزال العميل المزدوج السابق سيرجي سكريبال (66 عاما) وابنته يوليا (33 عاما) في وضع صحي حرج في المستشفى بعدما عثر عليهما فاقدي الوعي على مقعد خارج مركز للتسوق في سالزبري جنوب غرب بريطانيا، في الرابع من مارس الجاري. وقد تعرضا للتسميم بغاز الأعصاب فيما اعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أنه “من المرجح جدا أن تكون روسيا” مسؤولة عن تسميمهما.

 

لا يمكن النظر إلى الخلافات السياسية الغربية الروسية دون الأخذ بالاعتبار دور وسائل الإعلام كجبهة أمامية في الحرب الكلامية من جهة، وكوسيلة لتصفية الحسابات عبر الحد من تأثيرها من جهة أخرى، وهو ما عملت عليه لندن بتهديدها بإيقاف بث روسيا اليوم في البلاد، لترد عليها موسكو بإجراءات مماثلة، وتبادل الاتهامات مجددا بالإجهاز على حرية الصحافة

وقالت أوفكوم الاثنين أن مهمتها تتمثل في ضمان أن “جميع جهات البث التي تملك تراخيص تستحق” ذلك. كما طرح نواب بريطانيون مرارا خلال الأيام الأخيرة احتمال سحب تراخيص بث قناة “روسيا اليوم” التابعة لموسكو.

من جهتها، ردت القناة أنه “من المؤسف أن يتم طرح التضحية بروسيا اليوم، كبيدق سياسي في تحرك يجهز على مبدأ حرية الصحافة في بريطانيا بضربة واحدة”.

وشنّت هجوما حادا على أوفكوم وقالت في بيان صدر الثلاثاء، إن أوفكوم تتجاوز اختصاصاتها، إذ تأخذ على عاتقها وظائف الدولة التي لا تناسبها.

وجاء في البيان “إننا غير موافقين على الموقف الذي اتخذته أوفكوم، من خلال ربط روسيا اليوم بالمسائل غير المتعلقة بها”، وأضاف “أوفكوم باتت تجمع بين دورها كهيئة تنظيمية للبث وصلاحيات الدولة”.

وتابع “لا تزال روسيا اليوم صوتا ثمينا على الساحة الإعلامية البريطانية، إذ تبرز روايات وأصوات مهمة كانت مهملة حتى الآن، بما في ذلك، للنواب والشخصيات العامة في المملكة ممن تم حجب أصواتهم من الخطاب العام من قبل وسائل الإعلام السائدة”.

وأكدت القناة أن منعها من البث في بريطانيا إذا ما حصل سيكون مخالفة لأي مفهوم لحرية الصحافة في المملكة المتحدة”.

وصرحت زاخاروفا، في حديث لبرنامج “60 دقيقة” على قناة “روسيا 1”، “على الفور يمكنني أن أقول لكم إنه لن تعمل أي وسيلة إعلامية بريطانية في بلادنا إذا قاموا بإغلاق آر تي”.

وكانت قد استبقت التهديدات البريطانية بالقول إنه “ستكون هناك ضجة إعلامية وستوجه إلى روسيا اتهامات لا أساس لها، ولن يتم الكشف عن حقيقة ما حدث”، مشيرة إلى أن “نفس السيناريو قد استخدم بعد مقتل رجلي الأعمال الروسيين ألكسندر بيريبيليتشني وبوريس بيريزوفسكي في ​بريطانيا​”.

وللشبكة الروسية ووسائل الإعلام التابعة للكرملين تاريخ طويل من العداء مع بريطانيا والغرب، وتعتبر وسائل الإعلام الغربية أن “روسيا اليوم” مجرد أداة لنشر البروباغندا دون مراعاة للموضوعية أو الاحترافية، كما تعيب عليها تغطيتها التي تصفها بالمنحازة في صفّ الحكومة الروسية، خصوصًا في تدخّلاتها الخارجية العسكرية.

وسبق أن اتهمت أوفكوم تغطيتها للتدخل الروسي في إقليم القرم التابع سابقًا لأوكرانيا بالانحياز وعدم الموضوعية؛ مما جعل الهيئة ترسل للقناة تحذيرًا رسميًّا، كما هدّدت الهيئة بأن احتمالية حظر القناة لفترة مؤقّتة يبقى مطروحًا إن واصلت القناة هذه “الخروقات”.

وقالت “أوفكوم” في بيان آخر اعتراضا على تغطية روسيا اليوم، إن “وجود قضية سياسية مثيرة للجدل، ولا تلقى التغطية المطلوبة في وسائل الإعلام البريطانية، لا يمنع من عرضها ونقاشها، لكن بشرط عرض وجهات النظر المتعلقة بمختلف الأطراف، وفقاً لما يقتضيه الأمر في البرنامج السياسية المثيرة للجدل والتي تناقش قضايا عامة”. وأضافت “إن القناة فشلت بالحفاظ على الحياد الواجب والمطلوب في هذا النوع من البرامج”.

للشبكة الإعلامية الروسية تاريخ طويل من العداء مع الغرب الذي يعيب عليها تغطيتها المنحازة للحكومة الروسية

وفي أكتوبر 2016، أصدرت بريطانيا قرارا بتجميد حسابات مصرفية تابعة لـ”روسيا اليوم” في جميع أنحاء بريطانيا.

وعلّقت رئيسة تحرير شبكة القنوات الفضائية “آر تي” ووكالة أنباء “روسيا سيغودنيا”، الرّوسيتين، مارغاريتا سيمونيان، على الأمر بتغريدة على تويتر، كتبت فيها “لقد أغلقت جميع حساباتنا في بريطانيا، جميع الحسابات، والقرار غير قابل للمراجعة” وأضافت “فلتحيا حرية الكلمة”.

كذلك ردت زاخاروفا، على القرار، قائلة ”يبدو أنّ مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، أدّت إلى ترك لندن لالتزامات حريّة الكلمة وراءها هناك”.

وتأتي هذه المواجهة الإعلامية الروسية البريطانية، بينما مازالت “روسيا اليوم” تواجه الاتهامات مع الولايات المتحدة، بشأن الدعاية المضللة التي مارستها في التأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعلى إثرها أعلنت واشنطن تسجيل شبكة روسيا اليوم في الولايات المتحدة بموجب قانون الوكلاء الأجانب، وهي الخطوة التي ردت موسكو عليها، بإجراءات مماثلة ضد وسائل الإعلام الأميركية في روسيا.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فأبدى انزعاجه من تغطية الشبكة، واتهمها صراحة بنشر معلومات مضللة عنه من خلال موقعها الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي أثناء الانتخابات الرئاسية في 2017.

18