"تصفية الحساب مع الإعلام" العنوان الخفي لجلسات البرلمان المصري

أخذ البرلمان المصري على عاتقه مهمة أن يكون أول المخالفين للتشريعات الإعلامية الجديدة، التي تمنح الحرية الإعلامية في تناول القضايا. وبدأ رئيس البرلمان قيادة مجموعة من أعضاء البرلمان الناقمين على الإعلاميين، شن حملة لغلق الفضائيات التي انتقدت أداء المجلس، وهو ما مثّل صدمة قوية للكثير من العاملين في قطاع الإعلام بمصر.
الخميس 2016/12/22
أعتى منتقدي البرلمان

القاهرة - خصص مجلس النواب المصري أكثر من جلسة على مدار الأيام الماضية، لمناقشة ما تتناوله وسائل الإعلام ضد أدائه وسياساته، وهجوم بعض الإعلاميين عليه، وشن أعضاء في البرلمان حملة شرسة على البرامج التلفزيونية، التي تنتقد أداءهم، وتنال من صورتهم أمام الرأي العام، وتوعدوا بغلق تلك القنوات.

وهدد علي عبدالعال، رئيس المجلس، باتخاذ إجراءات عقابية وصفها بـ”غير المتوقعة”، ضد من يهاجمون البرلمان، بذريعة أنهم يثيرون الفتن في البلاد.

ويأتي هجوم البرلمان على الإعلاميين فور انتهاء المجلس من إقرار التشريعات الإعلامية الجديدة، والتي من بين بنودها التأكيد على حرية الرأي والتعبير، وعدم المساس بما يُقال في الفضائيات أو يُنشر في الصحف.

وأكد أشرف بيومي، أستاذ الإعلام بالمعهد العالي للصحافة والإعلام بالقاهرة، في تصريحات لـ”العرب”، أن دخول البرلمان في مواجهة مع وسائل الإعلام، بدعوى أنها تنال منه بالنقد، يثير الشكوك حول إمكانية تدخله للقضاء على الأصوات المعارضة، بحجة أنها “تثير الفتن”، مستخدمًا في ذلك سلطته التشريعية والرقابية، ليكون بذلك ممثلًا لقبضة الحكومة في تنفيذ هذا المخطط.

وكان القسط الأكبر من الهجوم من نصيب الإعلامي إبراهيم عيسى، مقدم أحد البرامج على فضائية “القاهرة والناس”، وأكثر الإعلاميين انتقادا للبرلمان بطريقة لاذعة، وخصص المجلس له وحده 50 دقيقة من الهجوم، والتهديد بتجاوز “القانون والدستور” لمعاقبته، وقال رئيس المجلس “هذا الإعلامي يسيء للبرلمان وأعضائه، ولا بد من وقفة حازمة معه، ومع القناة التي يعمل بها”.

وقال مجدي العجاتي، وزير الشؤون القانونية، خلال جلسات البرلمان، إن الحكومة ستأخذ موقفا إداريا حيال فضائية “القاهرة والناس”، في حين أكد رئيس المجلس أنه يمكن للبرلمان أن يتجاوز القانون والدستور، لمنع أيّ إعلامي يهدد الأمن القومي المصري، ويؤدي إلى نشر الفتنة.

وأثار موقف البرلمان لدى الكثير من الإعلاميين، شكوكًا حول مدى جديته في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير خلال الفترة المقبلة، أو حتى في دعم أبناء المهنة، بتطبيق التشريعات الجديدة التي تحصّنهم ضد أيّ استهداف يتعرضون إليه، في حال ما إذا صعّدوا من لهجة النقد ضد مؤسسات الدولة.

سامي الشريف: اتحاد أهم السلطات في مصر ضد ما يقدمه الإعلام يضاعف أزماته

وأضافوا أنه إذا كان البرلمان وضع نفسه في موضع الخصم مع إعلامي يحظى بالاحترام والمتابعة الجماهيرية الواسعة، فهذا مؤشر على أن هناك خللا في نظرة السلطات للإعلام بشكل عام، ولا يبدو أن التشريعات أو القوانين ستفلح في إصلاح هذا الخلل.

وذكرت مصادر داخل فضائية “القاهرة والناس، لـ”العرب”، أن تعليمات وصلت إلى طارق نور، مالك المحطة، بتحييد الإعلامي إبراهيم عيسى، ووضع حد لما وصفوه بتجاوزاته ضد البرلمان والحكومة، وأنه في حال عدم الانصياع والتعامل بجدية مع غضبة البرلمان، سيتم وقف البث عن القناة بالكامل، إلا أن المصادر رفضت الإفصاح عن المسؤول الذي أصدر تلك التعليمات.

وأضاف بيومي أن البرلمان صعّد موقفه ضد الفضائية التي يطل منها الإعلامي إبراهيم عيسى، لأنه يريد أن يرسل عدة رسائل لباقي وسائل الإعلام التي تنتقد أداءه طوال الوقت، بعدما ساند الناس الحكومة في قراراتها الاقتصادية، ويحاول الآن السيطرة على ما يُقال في الإعلام لتحسين صورته.وأثيرت علامات استفهام بسبب غياب عيسى عن برنامجه خلال اليومين اللذين أعقبا الهجوم البرلماني عليه، كما اعتاد مشاهدوه، وعما إذا كانت القناة اتخذت فعلًا قرارًا بمنعه من الظهور نهائيًا، لتفادي التصعيد ضد المحطة؟

وقال أحد معدي البرنامج لـ“العرب”، إن عيسى اضطر إلى تهدئة الأجواء بعدم الظهور حلقتين متواصلتين، لتجنب مصير الإعلامي توفيق عكاشة، الذي جرى منعه من الظهور الإعلامي، بعد أن صعّد الهجوم على البرلمان والحكومة، أو مصير إعلامي آخر، هو عمرو الليثي، الذي توقف برنامجه على قناة “الحياة”، بعد إذاعة مقطع فيديو، انتقد فيه أحد المواطنين أداء الحكومة.

وكان عيسى ذكر خلال البرنامج أن أعضاء البرلمان يسعون إلى تعديل الدستور لزيادة مدة رئيس الجمهورية في الحكم، وأنهم ينافقون الرئيس عبدالفتاح السيسي، ووصف رئيس المجلس علي عبد العال بأنه رجل يفتقر إلى الحنكة السياسية، كما أنه كان عضوا في الحزب الوطني، إبان فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ورأى مراقبون أن مواقف البرلمان توحي بأن حرية الرأي والتعبير التي نصت عليها التشريعات الإعلامية لن تُفعّل بالشكل الذي كان ينتظره رجال المهنة، وأن الأصوات المعارضة في الإعلام المصري أصبحت في طريقها إلى الاندثار، مدعومة بتحرك من الجهة التشريعية في البلاد.

وتوقع بيومي المزيد من إجراءات التضييق البرلماني على إعلاميين لديهم نفس الموقف من أداء مجلس النواب، ما يعني أن التشريعات الإعلامية الأخيرة سيتم تطبيقها “وفق رؤية البرلمان”، وأبدى تخوّفه من أن يكون أعضاء المجلس “سيف الدولة” لمحاربة الأصوات العالية في الإعلام خلال الفترة المقبلة.

وكان السيسي جدد هجومه على وسائل الإعلام قبل أيام، واتهم بعضها بأنها “تثير البلبلة والأزمات”، وتضاعف التحديات على الحكومة.

وقال سامي الشريف، الخبير الإعلامي، إن اتحاد أهم السلطات في مصر، والتي تمثل هرم الحكم (السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية) ضد ما يقدمه الإعلام يضاعف من أزماته، لأن الواضح للناس من مواقف كل الجهات في مصر أن الإعلام أصبح أداة هدم وليس أداة بناء.

وأضاف لـ“العرب”، أن ترهيب أي إعلامي، أو قناة فضائية، لمجرد نقد أيّ مؤسسة من المؤسسات، يتنافى مع ما أقره الدستور والتشريعات الإعلامية الأخيرة، وحتى إن حدثت تجاوزات في النقد، فإن ذلك لا يعطي الحق لأحد في اتخاذ إجراءات استثنائية، بالتهديد أو التصعيد، لأن ذلك يثير الشكوك حول إمكانية تطبيق الحريات الإعلامية.

18