تصفية صالح.. صدمات من إدارة التوحش الإيرانية

دخل اليمن يوم 4 ديسمبر 2017 مرحلة جديدة من تاريخه الحديث. انطلاقا من هذا اليوم لن يكون علي عبدالله صالح موجودا، بعد أربعة عقود كان فيها الرجل القوي الممسك بزمام كل أبواب اليمن وسياساته. يوم 4 ديسمبر قتل علي عبدالله صالح على أيدي من كانوا قبل أيام حلفاءه، وقبل أعوام ألد أعدائه. سياسة الكيل بمكيالين كانت من أبرز ملامح سياسة علي عبدالله صالح، وقوام هذه السياسة التحالف حتى مع العدو من أجل التمكين من السلطة، ثم الانقلاب عليه بعد تحقيق الهدف، من ذلك تحالفه مع الإسلاميين خلال حرب توحيد اليمن وأيضا استفادته من تنظيم القاعدة، ولم يتوان عن الدخول بكامل قواه في “عش الدبابير” الحوثي بعد سقوط نظامه في 2011 وعودته إلى اليمن بمبادرة رعتها الدول الخليجية. لكن الحوثيين هذه المرة كانوا الأقوى ويتقدمون على علي عبدالله صالح الذي خاض ضدهم ست حروب دامية نسيها صالح في خضم توقه إلى استعادة السلطة لكن لم ينسها الحوثيون الذين وجدوا ضالتهم عند إيران. اغتال الحوثيون علي عبدالله صالح وأعلنوا السيطرة على صنعاء ضمن حلم ما كان ليتحقق يوما لولا علي عبدالله صالح وإيران. لعب الحوثيون لعبة علي عبدالله صالح، تحالفوا معه (العدو) ثم أردوه قتيلا، وفتحوا أبواب اليمن على مستقبل أكثر فوضوية ودموية لن يتمكن اليمنيون بمفردهم من مواجهته في ظل مسعى إيراني إلى تثبيت الحوثيين حتى لو أدى الوضع إلى الزيادة في جرعات التوحش.
الأربعاء 2017/12/06
دماء صالح تعيد رسم خارطة المواجهة

الأمر مختلف هنا، فالجماعات الشيعية تنفذ أجندة سياسية ظاهرها التمكين للطائفية، وفي عمقها تعبيد الطريق أمام إيران للسيطرة على المنطقة، ولم تكن إدارة المعركة بهذا القدر من التوحش أمرا طارئا على أحزاب إيران ما بعد ثورة 1979 في المنطقة، وأن قصر التوحش على داعش أمر مجانب للصواب، فقد استوحى التنظيم السني المتشدد إدارته للتوحش من تجارب إيرانية في لبنان بداية الثمانينات من القرن الماضي من خلال تفجير مراكز أميركية وفرنسية.

وتم نقل تقنية التفجيرات التي تلحق أضرارا أكبر بالعدو إلى حركات إسلامية فلسطينية مثل حماس لإضفاء مشروعية أخلاقية وسياسية عليها كونها عملا مشروعا لاستهداف الاحتلال، ويتم لاحقا إعادة تجريبها في العراق ما بعد الغزو المشترك مع إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش.

إن ثقافة القتل الجماعي المتوحش صناعة إيرانية بالدرجة الأولى، لكنها نجحت في التخفي وراء شعار المقاومة مستفيدة من عجز المنظومة العربية الجماعية عن إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالشكل الذي يفرز حلا تفاوضيا متكافئا.

طهران تسعى من خلال التفجيرات والاغتيالات الموجهة والقصف اليومي في العراق وسوريا واليمن عبر أذرعها المحلية إلى أن تحصل على امتياز التعاطي معها كأميركا جديدة

وعمل الخطاب الثوري الإيراني على تضخيم الإحساس بالعجز لدى طبقة سياسية عربية واسعة خاصة بعد أن تحولت شعارات التحرير التي رفعتها التيارات القومية واليسارية والإسلامية إلى فائض إضافي للعجز الرسمي.

التقطت هذه التيارات الطعم الإيراني بسهولة ولهثت وراءه للتعمية على حالة الخصي الفكرية والسياسية التي تعيشها خاصة بعد أن انكفأت إلى مجموعات سرية مهمتها صياغة البيانات والشعارات تماما مثلما تفعل الجامعة العربية، ولذلك صار من السهل أن تجد مجموعات قومية ناصرية أو بعثية تنحاز لإيران في صراعها مع السعودية، وتردد خطابها، وتبرر تدخلها في شؤون المنطقة بزعم أن من حقها الدفاع عن مصالحها الإستراتيجية، وكأنه ليس من حق السعودية أو مصر، أو أي بلد عربي الدفاع عن مصالحه وأمنه القومي.

من الواضح أن تصفية رجل بحجم علي عبدالله صالح بدم بارد كان هدفها إحداث سلسلة من الصدمات تزيد من توسيع دائرة الإحساس بالعجز لدى العرب، ولدى الطبقة السياسية المناوئة للخطاب الرسمي، والتي بدا أنه صارت لديها قابلية للهيمنة الإيرانية مثلما توجد قابلية للهيمنة الأميركية لدى المنظومة الرسمية.

وتأتي صدمة تصفية الرئيس اليمني السابق بعد صدمة التدخل الإيراني في سوريا، وتحول حزب الله اللبناني إلى أداة إقليمية متقدمة لفرض الأجندة الإيرانية كأمر واقع تماما مثل قبول العرب بالأجندات المهيمنة الأخرى وخاصة الأميركية والروسية.

تسعى طهران من خلال التفجيرات والاغتيالات الموجّهة والقصف العبثي اليومي في العراق وسوريا واليمن عبر أذرعها المحلية إلى أن تحصل على امتياز التعاطي معها كأميركا جديدة في المنطقة، أي القبول بها عربيا كقوة تتسيد الأجواء، وتطيح بأنظمة وتزكي أخرى.

ويتم خلق مناخ إعلامي وسياسي قوي لتمرير هذا الأمر الواقع عبر قنوات إيرانية ناطقة بالعربية استنجدت فيها طهران بسياسيين ومحللين وكتاب رأي محسوبين على التيارات اليسارية والقومية في المنطقة، وتولى هؤلاء قيادة الحملة على السعودية حين أعلنت رفضها لمعادلة إقليمية تتسيد فيها إيران على حساب العرب وأمنهم القومي.

ونجحت إيران في التواصل مع هؤلاء المثقفين مستفيدة بالدرجة الأولى من عداء عميق لديهم تجاه كل ما يتعلق بالمنظومة العربية الرسمية، وأيضا، من معطى ثان مهم، وهو أن دور الهامش الذي ارتضوه لأنفسهم أو أجبروا عليه عطل طاقات كامنة فيهم على التحليل والاستشراف، فضلا عن استثمار وضعهم المادي المتردي لتوظيفهم في ماكنة البروباغندا الإيرانية التي لم تكتف بالفضائيات التي يديرها حزب الله بل اخترقت جزءا من الإعلام العربي التقليدي بمختلف أدواته.

الخطاب الثوري الإيراني عمل على تضخيم الإحساس بالعجز لدى طبقة سياسية عربية واسعة خاصة بعد أن تحولت شعارات التحرير التي رفعتها التيارات القومية واليسارية والإسلامية إلى فائض إضافي للعجز الرسمي

وللحقيقة، فقد وجدت إيران ما يشجعها على زيادة درجة التوحش في ظل صمت عربي عن تنفيذ وكلائها حكم الإعدام في الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فضلا عن إطلاق يد الميليشيات التابعة لها في العراق وسوريا والبحرين واليمن.

ولا شك أن المناكفات العربية، والخلافات البينية، فضلا عن إيكال مهمة التصدي لإيران للولايات المتحدة، كلها عوامل مكنت رجال الدين الإيرانيين من السيطرة على مساحات واسعة في المنطقة، وفتح طريق من طهران إلى بيروت، أو ما بات يعرف بالهلال الشيعي الذي قد يصبح “قمر أربعتاشر”.

وأبان نظام حكم رجال الدين في إيران عن براغماتية كبيرة بدءا من التحالف مع الغرب الذي انطلقت منه ثورة الخميني 1979، مرورا بالاستعانة بالأسلحة الإسرائيلية في الحرب مع العراق، والتحالف مع واشنطن لإسقاط طالبان في أفغانستان وصدام في العراق، مع فتح قنوات قوية مع القاعدة واحتضان قياداتها وعلى رأسهم أبومصعب الزرقاوي الذي عبدت تفجيراته الدموية للحرب الطائفية التي ركبتها طهران للسيطرة على العراق، وصولا إلى التحالف مع روسيا ما يسمح له بفرض واقع جديد في سوريا ليس أقله بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، واعتماد دمشق نقطة عبور الأسلحة والخبراء إلى حزب الله في لبنان. ورغم تفاؤل محللين عرب بأن مقتل صالح سيكون الصدمة المضادة التي تفتح الأعين على الدور الإيراني في المنطقة، فإن ترك مهمة القصاص من طهران ليمنيين محاصرين في صنعاء وبين ميليشيات تعتقد أن الإعدام الجماعي منتهى العدل الإلهي بالخصوم، سيعيد القصة إلى مربعها الأول عربيا حين شمتت أنظمة عربية كثيرة في مقتل صدام حسين بسبب أخطائه في الحكم وخاصة غزو الكويت دون أن تنظر إلى ما وراء الصورة، أي الجهة المستفيدة، التي حاربت صدام لكونه قد حال دون حلمها بتصدير الثورة.

وهناك دول مركزية عربية ما تزال إلى الآن تتعامل بحذر وتردد في تقييم الدور الإيراني خاصة بعد ما جرى في سوريا من تدخل إيراني متعدد الأوجه، وينتظر أن تتكرر سيطرتها على العراق بنفس الأسلوب في سوريا بأن تخلق ظروفا أمنية تدفع الروس إلى المغادرة مثلما اضطر الأميركيون إلى الانسحاب من العراق ثم العودة لملاحقة التأثير الإيراني المعقد.

وبالتوازي لا تقرأ بعض الدول العربية الأخرى رسائل إيران في العراق وسوريا واليمن إلا كأحداث بعيدة، وتفتح أراضيها أمام الأنشطة الإيرانية متعددة الأوجه، وخاصة ترسيب البعد الطائفي عبر التشيع ورصد أموال كبيرة لذلك مع الانفتاح على المثقفين وإغوائهم عبر الخطاب المقاوم.

كاتب وإعلامي تونسي

6