"تصفير" المشكلات المصرية في الخارج

الاثنين 2015/01/26

عندما تبنى أحمد داوود أوغلو وقت أن كان وزير خارجية تركيا، مصطلح “تصفير المشكلات مع دول الجوار”، توقعت جهات كثيرة أن تلعب أنقرة دورا مهما في تسوية الأزمات الإقليمية، لكن ما حدث بعد مضي أكثر من خمس سنوات على تعميم هذا المصطلح، يبدو مختلفا في بعض جوانبه، فقد أصبح أوغلو رئيسا للحكومة في بلاده، وهي غاية في العداء مع سوريا، وكان تدخلها في الأزمة، أحد العوامل التي ساهمت في تعقيدها، مع أن أوغلو في دراسته التي بشّرت بالتصفير، تفاخر بعلاقة تركيا الجيدة مع سوريا ونظامها الذي لا يزال مستمرا.

أترك أوغلو لحاله، لأن سياسته لم تكن لها انعكاسات كبيرة على الأرض، فبلاده من أكثر الدول التي ساعدت على تضخم تنظيم “داعش”، سواء بالدعم أو غض الطرف، ودخلت في خلاف مع عدد من الدول المهمة في المنطقة، وتسببت تدخلاتها السافرة في مزيد من تعقيد علاقات أنقرة الخارجية، وليس العكس كما دعت نظرية أوغلو.

لكن الرجل يمكن أن يكون قدم لنا شيئا مفيدا على المستوى النظري، أرى من الأهمية بمكان تطبيقه على السياسة الخارجية المصرية، وكانت له نتائج إيجابية حتى الآن، في ليبيا مثلا، حيث تؤكد مصر على متانة علاقاتها بالشعب الليبي، واحترام خياراته السياسية الحالية، وطرحت مبادرة للتسوية، ورفضت كل الإغراءات للتدخل عسكريا، وباستثناء خلافات عميقة مع جماعات وميلشيات مسلحة وعناصر منتمية للإخوان، تستهدف مصر، تبدو الأمور في طريقها لمزيد من التحسن، كذلك طوت مصر صفحة قاتمة مع الجزائر خلفها نظام حسني مبارك، ونجحت في تجاوز أزمة ساخنة مع المغرب أخيرا.

الإيمان الخفي بروح نظرية أوغلو، جعل القيادة المصرية لا تنجرّ وراء الاستفزاز الذي كان يقوم به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه مصر، وهو أيضا الذي فرض على القاهرة، عدم الدخول في مهاترات مباشرة مع قطر، وفي الحالة التركية غير مستبعد أن تعود أنقرة إلى رشدها، خاصة أن تصريحات أوغلو في منتدى دافوس الاقتصادي حيال مصر كانت جيدة لأول مرة تقريبا، وفي الحالة القطرية، تتجه العلاقات نحو مزيد الهدوء والاستقرار، وقس على ذلك الود الظاهر في العلاقات مع العراق، والتقدم المصري نحو المشاركة في تسوية الأزمة السورية، وحتى إيران، التي تدس أنفها في كثير من القضايا العربية، تحتفظ معها مصر بعلاقة حذرة، إن لم تكن هادئة.

التصفير على الطريقة المصرية لكثير من المشكلات الخارجية حقق نتائج معقولة، وإن كانت هناك عراقيل ومطبات، بسبب الطبيعة الملتبسة لبعض المشكلات، فيكفي أن مصر لم تنجر وراء الكثير من التجاوزات، التي أراد أصحابها توريطها في بعض حقول الألغام، وسط ظروف سياسية واقتصادية وأمنية بالغة الحساسية، ونجحت في إعادة صياغة علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية متعددة، بما خدم مصالحها، وجنبها الدخول في صدامات سياسية مختلفة، وتكاد تكون قد طوت صفحة مريرة من صفحات تاريخها المعاصر، من خلال اعتمادها على شفرة أوغلو، التي طرحها الرجل لتهيئة الأجواء أمام تركيا الجديدة، وطمأنة منافسيها وأعدائها.

لكن التصفير المصري، أصبح أمام اختبار صعب في اليمن، الذي تهاوت الكثير من أركانه الأمنية والسياسية، وتمكن الحوثيون أو ما يسمى بجماعة أنصارالله، من القبض على جزء معتبر من مفاصل الدولة هناك، ودخلت على خط الأزمة قوى متباينة، بشكل مباشر وغير مباشر، وهو ما ضاعف من حدة الأوضاع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الذي يعد الممر الرئيسي للسفن العابرة لقناة السويس، التي تراهن عليها مصر، في بناء اقتصادها الجديد، وزيادة عوائدها المادية، أو عبر إقامة مشروعات استثمارية على جانبيها، تشترط توفير الأمن على طول رحلة السفن من الشمال إلى الجنوب والعكس.

هنا أحد أوجه التحديات التي تجاهلتها نظرية أوغلو، فقد تعاملت مع القضايا، بطريقة ما تريده تركيا (أو أي دولة)، وتجاهل العوامل الموجودة على الأرض، التي تفرض أحيانا خيارات قد لا تكون في الحسبان، أو غير مرغوب في تبنيها، وأعتقد أن فشل التصفير التركي مع سوريا، راجع في جزء كبير منه إلى طبيعة الأزمة وتشابكاتها الإقليمية والدولية.

لا أقصد أن يتكرر النموذج التركي في سوريا مع مصر في اليمن، فالقاهرة تتصرف الآن بحذر وتريث مع الأزمة المتصاعدة في خاصرتها الجنوبية، وترفض الانجرار وراء طرف على حساب طرف آخر، وخلال الأيام الماضية واصلت اتصالاتها بقوى وشخصيات كثيرة، وحسب معلومات من مصادر دبلوماسية، كانت من بين الجهات التي تواصلت معها القاهرة، الرئيس منصور هادي، والحوثيون، وعلي صالح، والحراك الجنوبي، وإيران أيضا، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية.

الجهد المصري الدءوب وغير المعلن، يرمي إلى تحقيق معادلة صعبة، قوامها تجنب سقوط اليمن في أيدي الحوثيين وحليفتهم إيران، وحرمان الأخيرة من ورقة جديدة في المنطقة، قد تتلاعب بها أو تفاوض عليها، والابتعاد عن فوضى قد تفضي إلى صوملة جديدة على الضفة المقابلة لباب المندب، سوف تكون لها تأثيرات على حركة الملاحة الدولية، خاصة إذا تمكنت قوى متشددة من التمركز في مناطق حيوية باليمن، تكون ذريعة لتدخلات، ربما تفرض واقعا يغير جانبا من قواعد اللعبة التقليدية في هذه المنطقة.

لدى مصر من الأدوات الحية التي تمكنها من تجاوز العتبة اليمنية، لأن حساباتها تراعي التوازنات الإقليمية والدولية، وتتحرك بموجب سياسة، تخلو من الأطماع، لذلك قد يكون تصفير المشكلات وفقا للنموذج المصري أكثر عملية من النموذج التركي.


كاتب مصري

9