تصلنا صورهم فقط

أصبح أي كاتب تنشر له مقالة أو مجموعة مقالات بسيطة وأي شاعر ناشئ تظهر له محاولة شعرية في وسائل التواصل الاجتماعي يتنكّر بالمطلق لأجيال الأساتذة والمبدعين ذوي التجربة الإبداعية والفكرية الجادة والطويلة.
الجمعة 2018/04/27
عصر الصورة

عندما تفتّحت عيون جيل الأدباء والشعراء المنتمي للسنوات الأولى للاستقلال في الجزائر على الثقافة العربية في أوائل الستينات من القرن العشرين، انغمس بحب منقطع النظير في قراءة واستيعاب وتمثل زخم الكتابات التراثية والمعاصرة الأساسية في حقول الشعر، والرواية، والقصة، والنقد الأدبي، وسير الأدباء، وتاريخ أعلام الفكر، والثقافة، والفن، وكانت علاقته بكل ذلك أشبه بالعيد المكتنز بالأفراح.

أما الحال في أيامنا هذه فقد تبدَّل كلية وصرنا أمام ظواهر غريبة ومناقضة بشكل مؤسف لما يسمى بالضمير الثقافي والإبداعي الذي يعترف بتكامل وتضافر التجارب الإبداعية والفكرية. لقد تميّز ذلك الجيل حقَا بأنه كان ولا يزال يؤمن برعيل الأدباء والمفكرين والنقاد المؤسسين الذين اعتبرهم بمثابة رموزه التاريخية، والحضارية، والثقافية وبناة معمار الثقافة الوطنية وروافدها ذات الطابع الإثني النوعي.

لقد نظر ذلك الجيل إلى هؤلاء السابقين والرواد كمنارات يستضيء بإنتاجها الثقافي والفني والفكري، ونتيجة لتوفر هذه الحساسية وهذا الانفتاح لديه وجدنا عالم التأليف معبّأ بالكتب التي تشرح وتؤوّل كتابات هؤلاء الأساتذة والرواد وتقدم أيضا تاريخهم وسيرهم للقراء داخل وخارج المنظومة التعليمية، أما الآن فقد تعرض هذا التوجه الحضاري الجميل للضمور حيث أصبح أي كاتب تنشر له مقالة أو مجموعة مقالات بسيطة وأي شاعر ناشئ تظهر له محاولة شعرية في وسائل التواصل الاجتماعي يتنكّر بالمطلق لأجيال الأساتذة والمبدعين ذوي التجربة الإبداعية والفكرية الجادة والطويلة.

وفي هذا الخصوص علّق الشاعر السوري الراحل سليمان العيسى منذ عدة سنوات وقال إن أشدَ ما يدهشه ويؤلمه هو أن “أغلب ما يسمى بالشعراء تصلنا صورهم ولا تصلنا قصائدهم”. وفي هذه الأيام لا يزال هذا الوضع قائما أيضا كما صرنا نسمع من يرددَ قائلا “نحن الجيل الحداثي وما بعد الحداثي قد تجاوزنا جيل التسعينات وجيل الثمانيات التقليديين والنمطيين إلى غير رجعة” وهلم جرا.

هناك ظاهرة أخرى تطفح إلى السطح الآن في بلداننا واستفحلت أكثر منذ أن فتحت بوابات الفيسبوك كلها للجميع وتتلخص في أنَ عددا معتبرا من الشعراء والأدباء، الذين ارتبطوا على مدى سنوات بالأجهزة القمعية وعملوا كحراس للأنساق الثقافية الدكتاتورية ببلداننا، فضلا عن كونهم لم يتطوروا شعريا على مدى العقود الثلاثة الماضية، قد شرعوا في مخادعة القراء بكتاباتهم عن صحبتهم وعلاقاتهم القديمة مع هذا الشاعر التقدمي الكبير أو مع ذاك الناقد الماركسي الألمعي، أو مع ذلك الروائي الإنساني الموهوب وهدفهم من وراء ذلك هو إظهار الصورة التي لا تنطبق عليهم للقراء الأبرياء الذين لا يعرفون عن ماضيهم شيئا يذكر.

15