تصنيع الجلد البشري يعيد الأمل لمرضى سرطان الجلد وضحايا الحروق

الأحد 2014/08/24
الإنتاج المخبري لجلد يطابق النسيج الطبيعي للجلد البشري عمل فائق الدقة

برلين- يعد إنتاج جلد الإنسان في المختبرات بمثابة ثورة في عالم الطب، إذ أنه سيفتح أبواب الأمل أمام مرضى سرطان الجلد وضحايا الحروق، كما سيمهد الطريق أمام الاستغناء عن إجراء التجارب حول عديد الأمراض على الحيوانات المخبرية، وسيتيح فرص التعرف بطرق دقيقة على كيفية نمو الأمراض الجلدية وتطورها.

يعد إنتاج جلد الإنسان في المختبرات بمثابة ثورة في عالم الطب، إذ أنه سيفتح أبواب الأمل أمام مرضى سرطان الجلد وضحايا الحروق، كما سيمهد الطريق أمام الاستغناء عن إجراء التجارب حول عديد الأمراض على الحيوانات المخبرية، وسيتيح فرص التعرف بطرق دقيقة على كيفية نمو الأمراض الجلدية وتطورها.

يعتبر الجلد البشري أكبر أعضاء الجسم ويقوم بدور الغلاف الخارجي لبقية أعضاء جسم الإنسان لذلك فهو أكبرها حجما، وله عديد الوظائف لأنه الحاجز الذي يحمي الجسم من مكونات المحيط الخارجي التي قد تضره من ميكروبات وجراثيم، كما يؤمّن حاسة اللمس من خلال المستقبلات العصبية التي يضمها للإحساس بالحرارة والبرودة وبالضغط واللمس.

وتعمل الطبقة الدهنية من الجلد كضابط لدرجة حرارة الجسم، أما الغدد العَرَقِيّةُ فتحافظ على درجة حرارة الجسم من الارتفاع عن طريق إفراز العرق، كما يقي الجلد الجسم من الأشعة فوق البنفسجية الضارة من خلال إفرازه لمادة الميلانين وبحكم تعرضه للشمس فهو فاعل رئيسي في تكوين الفيتامين “د”.

نشأت هندسة الأنسجة في الأصل عبر المحاولات الهادفة لاستزراع الأنسجة والأعضاء البشرية المختلفة من خلايا المرضى المحتاجين إلى زراعة عضو ما

ويتكون الجلد من طبقتين تسمى السطحية منها البشرة، والغائرة تسمى الأدمة، وتتألف البشرة من عدة طبقات من الخلايا المتراصة، وتتناقص حيوية خلايا هذه الطبقات كلما اقتربت من السطح، حيث أن الخلايا التي تصل إلى السطح فعلاً تموت وتتساقط، معنى ذلك، أن بشرة الجلد في تجدد مستمر. وكثير من الخلايا الغائرة في بشرة الجلد تحمل حبيبات صبغية، ذات ألوان مختلفة، واختلاط هذه الألوان بلون الدم الجاري في الأوعية الدموية بالأدمة، هو الذي يقرر لون الجلد بصفة عامة.

أما الأدمة فهي باطن الجلد وتوجد تحت البشرة مباشرة وتحتوي على النهايات العصبية والغدد العرقية والدهنية والأوعية الدموية والليمفاوية وبصيلات الشعر التي تغذي الجلد كما تضم أعصاب الجلد، وتشكل طبقة الأدمة السمك الرئيسي للجلد وتضم كذلك أنسجته الدقيقة.

تكررت محاولات الخبراء والعلماء الرامية إلى إنتاج أنسجة اصطناعية قريبة إلى الجلد البشري في المختبر، لكن لم يحالفها حتى الآن إلا قدر ضئيل من النجاح، خاصة أن التجارب الخاصة بتصميم الأنسجة الطبيعية من الخلايا الحية وإنتاجها، عبر ما يسمّى بـ”هندسة الأنسجة” تستغرق الكثير من الوقت وتتطلب عملا مكثفا في المختبرات.

ونشأت هندسة الأنسجة في الأصل عبر المحاولات الهادفة لاستزراع الأنسجة والأعضاء البشرية المختلفة من خلايا المرضى المحتاجين إلى زراعة عضو ما، وجاءت الأبحاث في هذا المجال إلى ندرة الأعضاء البديلة، ويتم الاعتماد على التكنولوجيات الرئيسية في الطب التجديدي بالاستناد إلى تطبيق المعارف والأساليب المستخلصة من مختلف مجالات العلوم كعلم الأحياء والكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية والطب والهندسة والعلوم المادية.

وإنتاج الأنسجة من خلايا المريض نفسه يتم عبر عزل الخلايا وتركها لتتكاثر في المختبر. ولدى تكاثرها بكميات كافية يتم استنباتها في محيط يحتوي على مادة وسيطة لتنمو الخلايا عليها، وتذوب تلك المادة الوسيطة لتحل بروتيناتها الخاصة مكانها تدريجيا. وتسمى النتيجة التي يتم التوصل إليها في المحصلة “النسيج الحيوي الذاتي الصناعي” الذي يكون قابلا للزرع في جسم المريض بمجرد بلوغه مرحلة الكفاية، وهنا يتعلق الأمر بأنسجة مستمدة من خلايا المريض نفسه، لذا لا يرفضها الجسم وهي تتمتع أيضا بقدرة خاصة تمكنها من النمو وتجديد نفسها.

معرفة تكوين نسيج الجلد وطبقاته وفهمها تسهّل عملية صنعه

وتقول البروفيسورة هايكه فاليس من معهد فراونهوفر للهندسة والتكنولوجيا البينية الألماني، “ما سبّب لنا الانزعاج في بداية هذا العمل هو أننا لم نتقدم على النحو الصحيح لافتقارنا إلى التكنولوجيا المناسبة، حيث اضطررنا إلى إنجاز كل شيء يدويا، وهذا من شأنه أن يجعل المنتجات في نهاية المطاف باهظة الثمن والنوعية ليست جيدة بما فيه الكفاية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن وقتا طويلا جدا يمر قبل الوصول إلى مرحلة التطبيق والاستخدام في المجال الطبي”.

ومن هنا نشأت فكرة تطوير نموذج لإنتاج الأنسجة بشكل صناعي، وعملت فاليس على مدى ثلاث سنوات مع فريق من العلماء والمهندسين لتنفيذ الفكرة، وقد تكللت تلك الجهود بالنجاح. ومنذ أبريل 2011 ينتج “مصنع الأنسجة البشرية” قطع أنسجة تعادل جلد الإنسان يبلغ حجمها حجم طابع البريد، ويتم ذلك بطريقة آلية بالكامل في سابقة أولى من نوعها.

وتؤكد فاليس أن ذلك العمل “كان بالفعل عملا رائدا، وقد أثبتنا للمرة الأولى، توفر الإمكانية لتحقيق تلك الخطوة، وفي الوقت الراهن نعمل على إنتاج نماذج جلد مكونة من طبقتين، وإذا ما سار كل شيء حسب الخطة الموضوعة، فسيصبح من الممكن إنتاج الجلد البشري بسمكه وطبقاته، وهذا يعني الجلد وطبقات الأنسجة العليا والسفلى وكل ذلك بطريقة آلية”.

ومن أجل الحصول عبر هندسة الأنسجة على خلايا تتوافق في بنيتها وشكلها وخصائصها مع الخلايا الطبيعية، يجب في البداية التعرف على أنواع الخلايا التي تشكل الأنسجة الطبيعية وفهمها، كما يجب تكييف الظروف المناسبة للتكاثر في المختبر، من حيث تلاؤم الأنسجة مع المكان الذي ستزرع فيه لاحقا.

وبالإضافة إلى تنظيم درجة الحرارة والرطوبة، تتعرض الخلايا خلال مرحلة التكاثر إلى ظروف تتباين بحسب نوع الأنسجة، فأنسجة العظام على سبيل المثال، تتعرض لضغط ميكانيكي بنسب متفاوتة، أما أنسجة الأوعية الدموية فهي تغمر بسائل نابض يحاكي إيقاع القلب، ويتم إنتاج الجلد البشري عبر هذه العمليات المعقدة في معهد فراونهوفر، كليا وبشكل آلي.

للحصول على خلايا تتوافق في بنيتها وشكلها وخصائصها مع الخلايا الطبيعية، يجب التعرف على أنواع الخلايا التي تشكل الأنسجة الطبيعية وفهمها

أما إنتاج الأنسجة من خلايا المريض نفسه فيتم عبر عزل الخلايا وتركها لتتكاثر في المختبر، وإذا تم تحقيق فكرة إنتاج الجلد البشري بشكله الكامل، فسيصبح من الممكن أن تصبح “آلة إنتاج الجلد” بمثابة لاصق المستقبل للاصق الجلد العادي، وستحل بالتالي مشاكل ترقيع الجلد ويمكن أيضا عبر ذلك مساعدة المرضى الذين يعانون من حروق كبيرة فضلا عن مساعدة مرضى سرطان الجلد، وحتى يتحقق ذلك، سيستمر استخدام قطع الجلد المنتجة حاليا في عمليات الزرع على نطاق صغير، خصوصا في مجال الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل.

وبحسب فاليس فإن “من المهم على المدى الطويل توفير الأنسجة المناسبة لإجراء التجارب على سبيل المثال لاختبار الأدوية الجديدة أو مستحضرات التجميل الجديدة، الأمر الذي سيلغي الحاجة إلى إجراء التجارب على الحيوانات، لأن التجارب عبر استخدام هذه النماذج، تعطي نتائج أكثر دقة”.

19