تصنيع الخليفة وخرافة الخلافة

الثلاثاء 2014/07/15

يبدو أن المصنع الذي (جَمَّعَ) الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي فكر طويلا في كيفية تقديمه للناس لكي يقتنعوا به ويسيروا في ركابه لتدمير الدولة العربية الوطنية. ولو أننا فككنا هذه الآلة التدميرية البشرية، فسوف يسترعي انتباهنا أولا أنها أخذت اسم الخليفة الأول لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، من باب ما يبدو للناس بأنه تيمنا بهذا الاسم من جانب، وللدلالة على أن “الرجل” الجديد يحل محل الخليفة السابق، أول خليفة في الإسلام من جانب آخر. ولا أستبعد، لو جاز هذا الاحتمال، أن يكون اسم نائب أبو بكر البغدادي عمر السوري، ويكون اسم الرجل الثالث عثمان الصومالي أو التونسي أو الليبي.

لا أستبعد، أيضا، أن ذلك المصنع، الذي وضع خارطة البغدادي لتدمير ما تبقى من استقرار بعض الدول العربية، فكر مبدئيا في أن يعطيه صفة نبيّ منقذ، لكن هذا التفكير كان سيبدو ساذجا وممجوجا من مجاميع المسلمين الذين يؤمنون إيمانا قاطعا بأن محمد بن عبدالله (ص) هو خاتم الأنبياء والمرسلين. وأن من ادّعى النبوءة من بعده مهرطق ومرتدّ يجب قتله. ولذلك اختارت إدارة هذا المصنع، بذكاء وفهم عميقين للذهنية الدينية لدى المسلمين، اسم الخليفة أبي بكر، واسم دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام، لتكون بضاعتها مدغدغة لأحلام الشعوب العربية والإسلامية، التي ما فتئت تحلم بخلافة صدر الإسلام وتتأسّى عليها طوال ما يزيد على أربعة عشر قرنا.

الوقت، من جهة أخرى، مناسب لإطلاق “خرافة الخلافة” بالنظر إلى سقوط دولة الإخوان وطموحاتهم في كل الدول العربية سقوطا مريعا. وبالنظر لانشغال مجمل الدول العربية بترميم خسارات ثورات الفوضى الخلاقة، لاسيما في مصر التي يعتبرها الغرب اللاعب الأهم في تماسك الدولة الوطنية العربية، وقد أثبتت ذلك بإسقاطها لحكم الإخوان، الذي طالما رفع لواء عودة الخلافة ليستدرّ تأييد الجماهير المصرية والعربية.

ولذلك هناك في مصر، وفي بلدان الخليج، من يرى أن تصدير بضاعة الخلافة من جديد على يد داعش هو ردّ على الموقف المصري، النخبوي والشعبي، الذي قضى على لواء الإخوان المعقود، زورا وبهتانا، لعودة هذه الخلافة. أي أن الغرب، إذا اعتبرناه بلد المنشإ للبغدادي وعناصر داعش، استفزته جسارة المصريين، ممثلين بالمشير عبدالفتاح السيسي والجيش المصري، على قطع الطريق على خارطة الفوضى الخلاقة، التي تعاون فيها معهم تنظيم بتعاون صريح من الإخوان وبعض تنظيمات المتطرفين الدينيين، الذين لم يخفوا استعدادهم للتعاون مع الشيطان إن كان سيحقق أهدافهم في السيطرة على مقدرات بلدانهم وعلى مستقبل شعوبها.

ويمكن في هذه الحالة فهم الرسائل الداعشية الأخيرة الخاصة بمصر، باعتبارها لقمة إقليمية كبرى على مائدة الخلافة، فما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، كما نقلت مصادر إخبارية قريبة من مصنع التنظيم، يخطط للتواجد على أرض مصر، وإعادة رسم خريطة الدم والاغتيالات من جديد. وقد وقع اختياره على سيناء لتصبح المحطة الأولى له هناك. والأمن المصري، من جانبه، أكد هذا التهديد الداعشي حين أعلن أنه ألقى القبض على خلية تابعة لتنظيم داعش أكدت التحقيقات مع عناصرها عن تلقيهم لأوامر من أبو بكر البغدادي للبدء بتنفيذ عمليات مسلحة داخل الحدود المصرية. وهناك فيديو لـ”داعش” تمّ من خلاله توجيه كلمة إلى جهاديين بسيناء، يدعوهم من خلاله إلى “التعاون من أجل إنشاء دولة الله”، ويطالبهم بالصبر لتحقيق مسعاهم، مضيفا: “إن الجهاد هو وسيلة تأسيس دولة الله”.

هناك إذن، بوضوح شديد، انتقام غربي وإقليمي مما حدث للإخوان وإحلال لتنظيم داعش، القوي الآن، مكان تنظيمهم المهزوم والمتهالك. ومن الوارد جدا أن يتم التنسيق لعمليات مصر بين التنظيمين، طالما أنهما يلتقيان على هدف خلخلة الوضع المصري الجديد ويتفقان على مبدإ تسويق بضاعة الخلافة. والمصريون يؤكدون على هذا التنسيق الإخواني- الداعشي، خاصة بعد ظهور تنظيم داعش المفاجئ كقوة محتلة في محافظتي نينوى وصلاح الدين العراقيتين. طارق محمود، المستشار القانوني للجبهة الشعبية لمناهضة أخونة مصر، قال مؤخرا بأن لديه معلومات تفيد بأن جماعة الإخوان قامت بعدة اتصالات مع تنظيم داعش، بينما أرسل شباب الإخوان رسالة إلى زعيم داعش تطالبه فيها بالتدخل لإنقاذ إخوان مصر. ونقل محمود أن من ضمن المعلومات التي وردت إليه أنه تم إجراء عدة اتصالات بين جماعة الإخوان الإرهابية وتنظيم داعش وذلك من أجل تسلل هذه الأخيرة عبر حدود مصر الغربية لإحداث فوضى وارتكاب عمليات إرهابية تروّع المواطنين. وشدّد على أن تلك الاتصالات تزايدت في الفترة الأخيرة بعد احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمدينة الموصل.

الأكثر غرابة في الموقف الداعشي من مصر أن التنظيم حين تعرض للانتقاد في عدم محاربته لإسرائيل التي تقتل الآن المدنيين العزل، بمن فيهم النساء والأطفال في غزة، أعلن أنه لن يحارب إسرائيل إلا بعد أن تدخل مصر تحت لواء دولة الخلافة. وهذا تملص و”هراء” داعشي لا يمكن أن يحمل على غير وجهه الطبيعي. وهو أن إسرائيل ليست هدفا بل طرفا في لعبة مروّجي بضاعة الخلافة أو شريكا في مصنعها، إذ كيف يستقيم في ذهن “خليفة المسلمين” وأعوانه أنهم يؤجلون الحرب مع من يقتلون رجال ونساء وأطفال العرب في فلسطين، لأن لديهم هدفا أكبر هو السيطرة على مصر وضمّها لدولة الخلافة!

السعودية، المحور الأكبر الآخر لما تبقى من مساحات الدولة العربية الوطنية، اعتبرت تنظيم داعش تنظيما إرهابيا، ودعمت بوضوح تحرك المشير السيسي في يونيو من العام المنصرم ضد حكم الإخوان وإسقاطهم. وبعد أن كان داعش ملتبسا وغامضا في مواقفه من المملكة، أظهر مطلع الشهر الجاري ما اعتبره البعض تصعيدا ضدها، عندما أعلن في بيان إعلامي أنه سيغير من استراتيجيته “الجهادية”. وأن هذه الاستراتيجية ستمتد إلى الجزيرة العربية، وأيضا ستمتدّ إلى تغيير اسم دولته حيث سيتم إضافة اسم الجزيرة العربية. وفي موازاة هذا البيان حدث “إرجاف” واضح من منتسبي التنظيم على وسائل التواصل الاجتماعي وصل إلى حدّ سؤال أعضائه السعوديين بعضهم لبعضهم عمن سيقتل كل منهم الآخر إذا دخل رتل قوات التنظيم إلى أرض “الجزيرة العربية”.

هذا يعني أن السعودية، باعتبارها مع مصر قطب مقاومة خارطة الفوضى الخلاقة، أصبحت هدفا للتنظيم الداعشي ومن ورائه تنظيم الإخوان، الذي يحمل ضغينة ضدّ المملكة نظير مساندتها لوضع وحكم مصر الجديد، الذي أسقط حكمهم وقطع الطريق بقوة وحسم على أجندتهم وطموحاتهم السياسية. وهذا يعني أن “المطارحة” الأمنية في البلدين، مصر والسعودية، وفي بلدان عربية أخرى ستطول في مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة التي يتمّ، في كل مرة، تصنيعها في الغرب لتواصل تحقيق مصالحه ومصالح إسرائيل، في مقابل تدمير دولنا ومقومات حياتنا ومستقبل أولادنا.

والحل لا يكمن فقط في التعامل الأمني مع هذه التنظيمات وتجفيف منابعها المسلحة، بل في موازاة ذلك لابدّ أن تكون هناك جدية عربية في تجفيف منابع فكر هذه التنظيمات، وإعادة صياغة مناهج التعليم والوعظ الديني في الدول العربية، التي تتحمل لوما كبيرا في تركها الحقول سائبة لفسائل الفكر المتطرف الذي يرتدّ عليها الآن، بعد تجميعه في مصانع إقليمية ودولية، ليهدّد استقرارها وسلامة مجتمعاتها، إن لم يكن يهدّد وجودها ذاته في سعيه لتهديم وحدتها الوطنية.


كاتب سعودي

8