تصويت الجيش والشرطة جدل سياسي جديد في تونس

السماح للعسكريين ورجال الأمن بالمشاركة في الانتخابات التونسية موضوع أحدث انقساما حادّا بين الكتل البرلمانية صلب مجلس نواب الشعب، حيث تأرجحت المواقف بين مؤيد لهذا المقترح وبين رافض له حفاظا على حياد المؤسستين الأمنية والعسكرية.
السبت 2016/09/24
تسييس الثكنات ليس في صالح الديمقراطية الناشئة

تونس - تصاعد الجدل خلال الأيام الأخيرة في تونس بشأن مشاركة العسكريين والأمنيين في الانتخابات وتداعياتها على المسار الديمقراطي الذي تعيشه البلاد.

وشدّد خبراء على أن المشاركة ستقوّض حياد المؤسسة الأمنية والعسكرية وستزج بالثكنات في المعارك السياسية حتى أنهم لم يترددوا في التحذير من أنه في حال إقرار المشاركة، فإن البلاد ستكون مهددة بحرب أهلية لا يعيها المدافعون عن الفكرة.

وعلى الرغم من أن الجدل ليس بجديد على تونس، حيث أنه يعود إلى أكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن منسوبه ارتفع بشكل حاد خلال هذه الأيام، ليؤكد على مخاوف التونسيين من تسييس المؤسسة العسكرية والأمنية التي طالما نأت بنفسها عن مثل الصراعات السياسية.

وتدعم فكرة إشراك الجيش والأمن خاصة كتلة الحرة والتيار الديمقراطي وعدد من النشطاء بدافع الحق في التصويت وأيضا بدافع تضييق الخناق على حركة النهضة وإجهاض مساعيها للتموقع في مراكز القرار السياسي والإداري.

غير أن الفكرة تلقى رفضا شديدا من قبل عدد من القوى السياسية الأخرى والخبراء الذين يشددون على أنها مسألة لن تقود سوى إلى حشر العسكريين والأمنيين في صراعات سياسية وهو ما من شأنه أن يهدد كيان الدولة المدنية والتجربة الديمقراطية الناشئة.

ووفق تسريبات حصلت عليها “العرب”، فإن الدافع الأساسي الذي يقف وراء دعم البعض من القوى لإشراك العسكريين والأمنيين في الانتخابات هو محاصرة جموح النهضة للتموقع أكثر ما يمكن في مفاصل الدولة وليس “الحق في الانتخاب”، كما يروج له سياسيا وإعلاميا.

مختار بن نصر: الجيش يجب أن يبقى محايدا وتسييسه أمر خطير

ولم يتردد مختار بن نصر، العميد السابق في الجيش التونسي ورئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، في تصريح لـ”العرب”، في التأكيد على أن “مشاركة العسكريين والأمنيين في الانتخابات أمر في منتهى الخطورة لأنه سيرحّل الصراعات السياسية العميقة بين الأحزاب من الفضاء العام إلى الثكنات في حال مصادقة البرلمان على قانون من هذا القبيل”، مفيدا بأن “مشاركة الجيش والأمن اللذين يجب أن يبقيا محايدين تجاه العملية السياسية سيضرب في العمق التجربة الديمقراطية كما يضرب بنفس الدرجة مبدأ الحياد والانضباط خاصة وأن الجيش هو الذي يؤمن سير العملية الانتخابية”.

وذهب بن نصر إلى حد القول إن “الذين يدعمون المؤسستين العسكرية والأمنية في الانتخابات بصفة خاصة وفي النشاط السياسي بصفة عامة يدفعون بتونس إلى حرب أهلية في ظل ديمقراطية هشة ومرحلة دقيقة تمر بها تستوجب الحياد التام للمؤسستين وفق نص الدستور”.

وتلتقي مواقف بن نصر مع تحاليل عدد من الخبراء في القانون الدستوري الذي يشددون على ضرورة أن تتحلى الأطراف الداعمة لمبدأ المشاركة باحترام فصول دستور يناير 2014 الذي ينص في فصليه 18 و19 على أن تؤدي كل من المؤسسة العسكرية والأمنية “مهامهما في حياد تام”، وهو ما يتناقض مع أي شكل من أشكال التسييس أو الولاء لحزب دون آخر في وقت تحتاج فيه تونس إلى جيش وأمن غير مسيسين.

غير أن كتلتي الحرة والتيار الديمقراطي اللتين تدافعان عن إشراك العسكريين والأمنيين في الانتخابات تبرران موقفهما بما تقولان إنه “حق كل المواطنين في العملية الديمقراطية”، حيث أكد رياض المؤخر النائب بالبرلمان أنه “لا يوجد مبرر لمنع العسكريين والأمنيين من المشاركة في التصويت”. وتقول كتلة الحرة إن “المنع بحجة تسييس الثكنات ومخاطر التصويت لا معنى له”، مشيرة إلى أن “القضاة على سبيل المثال يسمح لهم القانون بالانتخاب وهم محايدون في أدائهم لمهامهم ومستقلون عن الأحزاب”.

وتظهر قراءات أن الداعمين لتصويت العسكريين والأمنيين يتحججون بمسألة حقوق المواطنة التي يجب أن تشمل جميع التونسيين بما يدعم التجربة الديمقراطية، غير أن الحجج تبدو غير مقنعة بالنسبة إلى العديد من التونسيين.

ويذهب محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري، إلى حد القول بأن السعي إلى إشراك العسكريين في الانتخابات هو “دعوة مفتوحة للعسكريين والأمنيين للتسيّس وبذلك يمثل بداية نهاية حياد المؤسستين، إضافة إلى أنه عامل تفرقة بين مكونات المؤسستين ومحاولة لإضعاف أدائهما الناجع″. ويضيف المؤدب أنه “خلافا لما يدعيه المدافعون عن المقترح، فإنه لن يزيد شيئا في مواطنة العسكريين والأمنيين ولا في مكانتهم في المجتمع″.

وأكد مختار بن نصر لـ”العرب”، على أن الجهات أو الأطراف أو الكتل التي تدافع عن حق الأمنيين والعسكريين في الانتخاب متعللة بمبدأ المساواة في الحقوق والحريات، تحتاج إلى ثقافة سياسية أكثر عمقا لأن المقترح قد يقود إلى انعكاسات خطيرة على الأوضاع السياسية والأمنية وعلى الدولة وعلى المجتمع، مشددا على أن “القوات التي تحمل السلاح الموجه لحماية التراب التونسي يمكن أن يتم تحويل وجهته لحماية حزب من الأحزاب على حساب أحزاب أخرى”.

ويثير المقترح إشكاليات تنظيمية تتعلق بمبدأ شفافية الانتخابات ونزاهتها وعدم تزييفها من قبل أي حزب قد يكون مدعوما من قبل العسكريين والأمنيين خاصة وأن الجيش هو الذي يسهر على تنظيم مسار العملية الانتخابية.

ويستبطن الجدل، وفق محللين سياسيين، مخاوف غالبية التونسيين من أن يفتح المقترح في حال المصادقة عليه من قبل البرلمان بداية “عسكرة الحياة السياسية المدنية” خاصة وأن الجيش كان منذ استقلال تونس عن الاحتلال الفرنسي سنة 1956 بعيدا كل البعد عن الشأن السياسي.

4