تصوير الأماكن العامة.. مهمة شبه مستحيلة على الصحافة المصرية

مهمة التصوير الصحافي في الشوارع المصرية والأماكن العامة أصبحت بالغة الصعوبة، رغم أنها غير خاضعة لاعتبارات أمنية أو عسكرية خاصة.
الخميس 2018/11/15
الدائرة تضيق على المصورين

القاهرة - ممنوع الاقتراب والتصوير.. عبارة شهيرة اعتاد المصريون رؤيتها على مدى عقود طويلة أمام مُنشآت عسكرية ومبان ذات طبيعة أمنية، لكن العبارة تحولت إلى نظام عام يتجاوز المنشآت الحساسة، ممتدة إلى الشوارع والميادين العامة، ما جعل مهمة المصورين الصحافيين لالتقاط صور مناسبة لموضوعات حية مسألة صعبة، تزداد وطأتها في حالة التصوير التلفزيوني.

وخلال عملي بصحبة محمد حسنين مُصور “العرب” في القاهرة، على تقرير صحافي عن الأديب الراحل نجيب محفوظ والأماكن التي يرتادها، حاول شرطي يرتدي الزي المدني في حي الحسين منعنا من التقاط صور الشوارع والأزقة مستفهما حول التصريح الأمني.

أظهرنا بطاقة العضوية في نقابة الصحافيين المصريين، وعليها عبارة واضحة تقول “تُقدم السلطات المختصة لحامله المعلومات اللازمة، وتسهل مهمته”، وردَّ الشرطي بأن لديه تعليمات من وزارة الداخلية بمنع التصوير في الشوارع من دون ترخيص مسبق من قسم الشرطة التابع له الموقع المراد تصويره.

وكررنا القول إن حظر التصوير دون إذن مسبق أمر غير قانوني وعليه مراجعة قياداته مرة أخرى. ولما كان الشرطي غير واثق من قانونية التعليمات التي تلقاها شفويا، لاذ بالصمت وانصرف دون إثارة المزيد من المعوقات.

وتكرر الموقف ذاته قبل أيام قليلة ووصل إلى قسم الشرطة في الحي الذي كنا نعمل فيه، الذي أشار بدوره إلى أن القانون الجديد للصحافة والإعلام يحظر التصوير في الأماكن العامة دون تصريح مُسبق. وتعرض الكثير من المصورين الصحافيين لمواقف مماثلة خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تكثيف التواجد الأمني في الشوارع الرئيسية في القاهرة. ولم يكن غريبا أن تخلو الصحافة من صور إنسانية معبرة، ما دفع بعض الصحف إلى تكرار صور أرشيفية سبق نشرها.

وتضم معظم الشوارع في القاهرة والمدن الكبرى عددا من المخبرين السريين يرتدون ملابس مدنية، ويسيرون جنبا إلى جنب مع العامة، ويقومون بإبلاغ الشرطة عبر أجهزة اللاسلكي بمجرد رؤيتهم تصويرا في أحد الشوارع.

وتكشف العودة إلى القانون الجديد للصحافة والإعلام أن هناك قيودا بالفعل على التصوير في الأماكن العامة، وتنص المادة 12 على “أن للصحافي أو للإعلامي، في سبيل تأدية عمله، الحق في حضور المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة، وإجراء اللقاءات مع المواطنين، والتصوير في الأماكن العامة غير المحظور تصويرها، بعد الحصول على التصاريح اللازمة”.

وأكد عمرو نبيل رئيس شعبة المصورين بنقابة الصحافيين المصريين لـ”العرب” أن عبارة “بعد الحصول على التصاريح اللازمة” كانت محل اعتراض نقابة الصحافيين فور إعداد القانون.

ويقول “الشعبة قدمت اعتراضها ووعدت الجهات المسؤولة بتعديل نص المادة بما يُماثل التشريعات المعمول بها في الكثير من دول العالم”، فمن المستحيل عمليا إلزام المصورين بالحصول على إذن رسمي من وزارة الداخلية عند التصوير.

القانون الجديد للصحافة والإعلام يشترط الحصول على التصاريح للتصوير في الأماكن العامة غير المحظور تصويرها

ويرجع ذلك إلى أن منح حق الإذن بأمر ما يعني منح حق الرفض، ما يؤثر سلبا على الدور المفترض للصحافة الوطنية. والغريب أن التقنيات الحديثة جعلت التصوير أمرا سهلا، ويمكن حدوثه من خلال أجهزة المحمول الذكية بدرجات كفاءة جيدة، وهناك أقلام معدنية تُستخدم في التصوير والتسجيل دون أن تثير انتباه أحد.

ورغم أن مشهد المصور الصحافي في شوارع مصر كان مألوفا منذ ستينات القرن الماضي، غير أن ذلك المشهد تعرض للتشوش مع الحديث المتكرر عن مؤامرات دولية لاستهداف أمن البلاد عبر إرهابيين محليين.

ويرى الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن مهمة المصور الصحافي تتطلب تحررا وتفهما من قبل السلطات لطبيعة عمله، بما يُسهل من مهمته دون إخلال بالأمن.

ويؤكد لـ”العرب” أن تقنين حظر التصوير لكافة المنشآت والمواطنين يضر بالمجتمع قبل أن ينال من حرية الصحافة، ومثل هذا التوجه يحجب الصحافيين والإعلاميين عن قضايا المجتمع الحقيقية، ما يفصل الإعلام تماما عن مشكلات الناس الحياتية.

ويُقدم بعض الإعلاميين والصحافيين مثل هذه الأفكار وكأنها تخدم الحكومة المصرية، بذريعة الحفاظ على الأمن، دون أن يعلموا أنهم يساهمون في الإساءة إلى الحكومة بتحويلها إلى رقيب أكبر.

وبشكل عام يرى البعض من الصحافيين أن التوجس الأمني تجاه مهنة التصوير موجود منذ ميلاد المهنة في مصر، ورغم عدم حظر القانون السابق للصحافة عمل المصورين أو إلزامهم بالحصول على موافقات رسمية، إلا أنهم واجهوا على مدى سنوات طويلة اعتراضا من جانب الجهات الأمنية لأداء عملهم.

ويقول عبدالوهاب السهيتي كبير مصوري جريدة الأهرام سابقا، لـ”العرب” إن رجال الأمن كانوا يعترضون دائما طريق المصورين، خاصة في قضايا العنف أو الحوادث الكبرى، غير أنه من الغريب أن يمتد الأمر إلى التصوير في الشوارع بعيدا عن الأماكن العسكرية.

ويرى البعض من المراقبين أن اتساع ظاهرة الإرهاب وتركيز الحكومات على قضية الأمن باعتبارها ذات أولوية قصوى، دفعا دولا عديدة إلى وضع ضوابط وقواعد منظمة لمهنة التصوير، وتبدو الأماكن العامة، مثل المساجد والمباني الأثرية، أماكن عادية للناس، غير أنها قد تكون أماكن مستهدفة لقوى الإرهاب. ويشيرون إلى أن مدبري العمليات الإرهابية الأخيرة في مصر اعتمدوا في وضع مخططات لاستهداف أماكن بعينها على صور ولقطات عامة بثتها الصحافة المحلية والأجنبية. غير أن الدكتور عادل عامر مدير مركز المصريين للدراسات السياسية، يرد بأن مكافحة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار لم يحولا دون حرية التصوير في دول أوروبا التي تواجه عمليات إرهاب منظمة.

واستشهد بأن قوانين مكافحة الإرهاب في أوروبا اعتبرت أن التصوير قد يُستخدم في مساعدة شخص يُعد لعمل إرهابي، إلا أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعترضت على ذلك وألغت ما يعرف بصلاحيات الوقف والتفتيش في قانون مكافحة الإرهاب.

وبعد مناظرات عديدة اضطرت شرطة لندن إلى إصدار مشورة قانونية تؤكد أن أفراد المجتمع لا يحتاجون إلى ترخيص لتصوير فيلم أو صور في الأماكن العامة، والشرطة لا تملك سلطة لمنعهم من تصوير الحوادث أو حتى أفراد الشرطة.

18