تضارب الرؤوس الثلاثة لداعش في أندونيسيا من أجل النفوذ

تطور المشهد الأمني في إندونيسيا إلى درجة الحديث في الآونة الأخيرة عن ثلاث زعامات محتملة لتنظيم ما يسمّى الدولة الإسلامية في جنوب شرق آسيا. فقد كشفت التحقيقات أن الجماعات الجهادية في البلاد تتنافس من أجل كسب مباركة من القيادة المركزية لداعش في سوريا والعراق لكي تضمن بمقتضاها الجماعة مشروعية التصرف في المقاتلين والأسلحة والأموال.
الاثنين 2016/02/08
التجنيد يبدأ من السجون

جاكرتا - بعد مرور ثلاثة أسابيع على اعتداءات جاكرتا، يخشى محللون من وقوع اعتداءات جديدة ومماثلة في جنوب شرق آسيا نتيجة التنافس على السلطة بين ثلاثة قياديين جهاديين في إندونيسيا، خاصة بعد الإعلان عن ولادة خلايا أخرى لتنظيم ما يسمّى الدولة الإسلامية في جنوب شرق آسيا.

وكشف التحقيق في الاعتداءات التي نفذت بواسطة تفجيرات انتحارية وهجمات بأسلحة نارية والتي أوقعت أربعة قتلى في 14 يناير الماضي عن وجود شبكة متشعبة من الناشطين الذين يعملون بتوجيه من ثلاثة قياديين يتواجدون الآن للقتال في سوريا، الأمر الذي أفرز توسعا لنفوذ التنظيم خارج معاقله في الشرق الأوسط.

ويشتبه بأن القياديين الإندونيسيين في سوريا وهم، بهرام سياه وأبوجندل وبحرون نعيم، مسؤولون عن الإعداد لاعتداءات جدت في 2015 والتحقيقات بشأنها متواصلة إلى اليوم، وكانت الشرطة الإندونيسية قالت في البدء إن المتطرف الإسلامي بحرون نعيم من وسط منطقة جاوا جنوب جاكرتا هو العقل المدبر لهجمات العاصمة.

ولدى تنظيم داعش حضور في إندونيسيا، حيث حاول لفترة طويلة إقامة “خلافة نائية” بعيدا عن مركز الأحداث في الشرق الأوسط، وفقا لما أكده مكتب المدعي العام الأسترالي، جورج برانديس، في تقرير سابق له، إذ نقلت عنه صحيفة أسترالية في ديسمبر الماضي، قوله إن داعش “حدد إندونيسيا كأرض ممكنة لتحقيق طموحاته”. وتؤكد الحكومة الإندونيسية أن قرابة 700 من مواطنيها سافروا إلى سوريا خلال السنوات الماضية، وقد انضم العدد الأكبر منهم إلى داعش بما يفوق بكثير من انضموا إلى حركات مسلحة أخرى، كما ظهر مقاتلون إندونيسيون في مشاهد ترويجية مصورة بثها تنظيم داعش.

التنظيم الجهادي سيركز على إندونيسيا في مسعاه لإقامة فرع له في جنوب شرق آسيا نظر لموقعه الاستراتيجي

ويقول مدير شرطة جاكرتا تيتو كارنفيان، إن هؤلاء القياديين يشجعون الخلايا المحلية على ارتكاب اعتداءات في إندونيسيا ويزودونها بالمال والإرشادات على أمل كسب رضا القيادات المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية.

وتابع كارنفيان، الذي شارك في تفكيك شبكات إسلامية إندونيسية في العقد الأول من الألفية، أن “القياديين الثلاثة يتنافسون لكسب رضا القيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية من خلال تنفيذ جملة من الاعتداءات”.

وأضاف أن “حصول أي منهم على الإشادة هو بمثابة تعيينه زعيما في إندونيسيا، ما يعني حصوله على السلطة والمال”. إلا أن الشرطة الإندونيسية ركزت بعدها على الداعية المسجون أمان عبدالرحمن، أحد الإندونيسيين الأوائل، الذين أعلنوا ولاءهم لتنظيم الدولة الإسلامية وله علاقات مع أحد منافسي بحرون نعيم في سوريا. وللجهادي أمان عبدالرحمن، تاريخ مع فرق مقاومة الإرهاب في إندونيسيا، إذ جرى اعتقاله مرتين، الأولى بسبب تقديمه مجموعة من الدروس التعليمية في كيفية تصنيع القنابل في 2004 والثانية لتورطه في معسكر لتدريب المتشددين في منطقة “آشيه” عام 2010، ومن أقرب أتباع عبدالرحمان الجهادي سالم مبروك، وهو ممن يقومون بالتجنيد لصالح تنظيم داعش، وذلك وفقا لما ذكره تقرير مفصل من قبل معهد تحليل سياسات النزاع.

وزاد النجاح الذي حققه عبدالرحمن بين ناشطين في إندونيسيا الضغوط على منافسيه من أجل شن اعتداءات في “أسرع وقت”، بحسب تقرير لمعهد تحليل النزاعات صدر في فبراير الحالي. ويضيف التقرير أن أحد القياديين الثلاثة اتصل بشريك له في إندونيسيا بعيد الاعتداءات ليطلب منه شن هجوم مشابه فورا. وشدد معهد تحليل النزاعات الأميركي على أن “اعتداءات أخرى محتملة الوقوع في إندونيسيا طالما يتنافس قياديون محليون على الأرض وفي الخارج لفرض تفوقهم”. وتابع كارنفيان أن التنظيم الجهادي سيركز على إندونيسيا في مسعاه لإقامة فرع له في جنوب شرق آسيا.

القياديون الثلاثة يتنافسون لكسب رضا القيادة المركزية لتنظيم الدولة الإسلامية عبر تنفيذ الاعتداءات

ومنذ اعتداءات جاكرتا، أوقفت الشرطة نحو 20 مشتبها بهم، وقد أفشلت مخططات عدة لتنفيذ اعتداءات في 2015، وقالت إن مجموعات من الناشطين لها تشعبات معقدة تعد لاعتداءات منذ سنوات. وتقيم بعض هذه المجموعات علاقات وثيقة مع ناشطين في السجون التي تعتبر أرضية خصبة لتجنيد العقيدة الجهادية وتلقينها.

وأوضح قائد الشرطة في جاكرتا تيتو كارنفيان أن السجون تمثل إشكالا خطيرا بالنسبة إلى إندونيسيا، إذ يستغلها الإسلاميون المتطرفون لتجنيد مجرمين والتخطيط لاعتداءات جديدة وملء تنظيماتهم بعناصر لا تصلح سوى للتخريب. ولعل “عفيف”، أحد المهاجمين الأربعة الذين قتلوا في هجمات جاكرتا الإرهابية، كان قد أعلن ولاءه لتنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية وهو في السجن.

وقام ناشطون من خلية جهادية تم تفكيكها في جنوب جاكرتا بتجنيد موقوف يحظى بثقة الحراس، وقام السجين بسرقة أسلحة وذخائر من مخزن الأسلحة، وقامت صديقته بإخفاء الأسلحة داخل صندوق عازل وتهريبها إلى ناشطين خارج السجن، بحسب مصدر في الشرطة.

وكانت هذه المجموعة الصغيرة تعد لتنفيذ اعتداءات خصوصا في جاكرتا ومنتجع بالي السياحي، بحسب ما قال مصدر في هيئة مكافحة الإرهاب.

وكانت تخطط لاعتداءات ضد سفارات دول الاتحاد الأوروبي التي تنفذ حملة ضد التنظيم الجهادي في سوريا والعراق.

ومنذ اعتداءات جاكرتا، تسعى الحكومة إلى تعزيز التشريع لمكافحة الإرهاب، خصوصا أن المئات من الناشطين الذين توجهوا للقتال بين صفوف الجهاديين يمكن أن يعودوا إلى البلاد، بينما يندد خبراء مكافحة الإرهاب بتساهل القانون الذي لا يردع الجهاديين عن تنفيذ اعتداءاتهم.

13