تضارب رأسي السلطة في أميركا حول تسليح السنة والأكراد في العراق

الثلاثاء 2015/05/19
بغداد ترفض مشروع قرار في الكونغرس بتسليح السنة والأكراد

لا يبدو ملف إيران النووي مجرد إشكال مطروح على طاولة قيادات الولايات المتحدة، سواء في البيت الأبيض أو الكونغرس، وما يحدث من خلافات عميقة بينهما حول كيفية التعاطي مع هذا الملف، بل إن تمدد النفوذ الإيراني في العراق بشكل خاص والمنطقة بشكل عام أصبح الهاجس الأول الذي يؤرق ساسة أميركا خوفا على مصالحهم، والساسة العرب من جهة أخرى لدفاعهم الطبيعي عن الجغرافيا العربية من القضم الإيراني.

وبالرغم من وضوح الموقف الأميركي، إلا أن الاتفاق الإطار الأخير المزمع توقيعه بين طهران وواشنطن لم يرق للكونغرس، ما انعكس على مجمل القضايا المتعلقة بالعراق وأسهم في إبراز الخلافات أكثر بين البيت الأبيض والكونغرس، ولعل أهم تلك القضايا الخلافية هي المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة للعراق. فالمجلس التشريعي الأميركي يرى أن تسليح الأكراد والسنة كل على حدة سوف يساهم في محاربة إرهاب “الدولة الإسلامية” وخلق توازن بينهم وبين الميليشيات الشيعية المدعومة من رئيس وزراء العراق حيدر العبادي وإيران، وهو رأي السيناتور الجمهوري ماك ثورنبير.

أما إدارة أوباما فتصر على ضرورة المرور بالحكومة المركزية لبغداد التي تعتبر مسؤولة عن توزيع السلاح على من تراه مناسبا لقتال داعش، ويدافع عن هذا الموقف آشتون كارتر وزير الدفاع الأميركي.

يجب تسليح السنة والأكراد لمواجهة الإرهاب

ماك ثورنبير: رئيس لجنة القوات المسلحة بالكونغرس الأميركي وهو نائب جمهوري عن ولاية تكساس، ولد سنة 1958 وهو عضو سابق بالاستخبارات العسكرية الأميركية

قدم النائب ماك ثورنبير رئيس اللجنة العسكرية في مجلس الشيوخ الأميركي، مشروع قانون يطالب فيه وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين بالتنسيق والضغط على حكومة بغداد برئاسة حيدر العبادي لإعطاء السنة والأكراد دورا أكبر في الحكم وبالتحديد في قتال تنظيم داعش.

ورهن مشروع القانون المساعدات العسكرية الأميركية بإشراك السنة والأكراد في حكم البلاد، وإنهاء الدعم المقدم لفصائل الحشد الشعبي التي تم اتهامها بممارسة أعمال إرهابية ضد السنة في العراق، وضرورة الانتهاء من تشريع قانون الحرس الوطني، وإلا ستحجب الولايات المتحدة الأميركية ما تبقى من 60 بالمئة من المساعدات عن الحكومة العراقية وستذهب معظمها للأكراد والسنة.

أعضاء اللجنة العسكرية في مجلس الشيوخ الأميركي وعلى رأسهم رئيس اللجنة ماك ثورنبير تحدثوا عن دور إيران داخل العراق وقد أقروا بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي قد تمكن من تحسين الوضع الطائفي في البلاد واتخذ خطوات حاسمة للحفاظ على هذا الزخم.

ولكن العبادي “مكن إيران من التوغل أكثر في العراق عبر الإدارات والمؤسسات وخاصة الجيش، وهذا أمر يعتبر خطيرا للغاية”، حسب تصريح ثورنبير.

ومع ذلك، فإن أعضاء اللجنة البرلمانية العسكرية الأميركية يعتقدون أن أفضل طريقة لضمان استمرار التقدم هي تشريع قانون يسمح باستخدام 715 مليون دولار كمساعدات عسكرية مباشرة للسنة والأكراد.

وقد أكد ماك ثورنبير أن “مركزة القرار لدى حكومة العبادي وإعطائها الصلاحيات الكاملة لتوزيع السلاح والمساعدات فكرة غير منطقية، فانحيازه للحشد الشعبي يعد تمييزا ومؤشرا لا يبعث على الطمأنة”.

وفي السياق، تؤكد تقارير أن ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية الممولة والمدربة من إيران تقوم بارتكاب أعمال انتقامية واضطهاد طائفي ضد السنة وأقليات أخرى في العراق، الأمر الذي لم يقبله المجتمع الدولي ودول الجوار.

وسوف تملي اللجنة العسكرية الأميركية أن 25 بالمئة من المساعدات ستخصص للأقليات في العراق (السنة والأكراد)، ولكن سيتم تنفيذ صرفها بالتنسيق مع بغداد كما يجري الأمر حاليا.

إعطاء حكومة العبادي الصلاحيات لتوزيع السلاح فكرة غير منطقية، فانحيازه للحشد الشعبي يعد مؤشرا لا يبعث على الطمأنة
ومع ذلك، فإن القانون ينص أيضا على أن 60 بالمئة من المساعدات ستعطى مباشرة إلى السنة والأكراد إذا كانت إدارة أوباما لا ترى أن هناك “تقدما مرضيا” تقوم به حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي لمعالجة ملفات كبرى مثل إدماج الأقليات في سياق الحرب على الإرهاب، وإطلاق سراح بعض السجناء الذين لم توجه إليهم تهم ومعالجة المظالم السياسية وإنشاء الحرس الوطني والحد من تجاوزات ميليشيات الحشد الشعبي.

وصرح رئيس اللجنة العسكرية في الكونغرس ماك ثورنبير بأن الولايات المتحدة تريد أن تتعامل مع قوات البيشمركة ومقاتلي العشائر السنية ككيانين منفصلين عن الجيش العراقي والحكومة العراقية بحيث تستطيع رسميا تقديم الدعم المباشر لهما دون الحاجة إلى الرجوع إلى الحكومة العراقية. وأكد ثورنبير في السياق أن “الثقة بدأت تهتز. الحكومة الحالية في بغداد تقترب من أن تكون جزءا من الأزمة”.

ويقضي مشروع القانون الذي سيقدمه ماك ثورنبير بأن تكون قوات البيشمركة الكردية وقوات العشائر السنية الموكلة لها مهمة الأمن الوطني والحرس الوطني العراقي السني المزمع إنشاؤه، منتشرة في مناطق تخضع للتقييم الذاتي للتأمين، وليس لحكومة بغداد المركزية سلطة توزيع تلك القوى ونشرها، وفقا لملخص مشروع القانون، لأن القيام بذلك سيسمح لهذه القوات الأمنية بأن تتلقى المساعدة مباشرة من الولايات المتحدة.

وقال ماك ثورنبير في مقابلة تلفزيونية "إن اللجنة العسكرية للكونغرس قد درست جيدا ملف تقديم المساعدات والدعم اللوجستي والتدريبات لعناصر معروفة من الأكراد وعشائر غرب العراق، وذلك لتسهيل مهمة الاشتباك المباشر والفوري مع عناصر "الدولة الإسلامية" وهو ما تبحث عنه قوات التحالف في إيجاد قوات على الميدان تحظى بتغطية جوية وإسناد".

لن نسمح بتسليح السنة والأكراد لأنه تقسيم للعراق

آشتون كارتر: وزير الدفاع خلفا لتشاك هيغل، من مواليد فيلادلفيا سنة 1954، وقد كان مديرا للعمليات في وزارة الدفاع البنتاغون قبل توليه منصب الوزير

رفضت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون فكرة تسليح الأكراد والقبائل السنية في العراق بشكل مباشر. وقال وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في مؤتمر صحفي مشترك له مع رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي مارتن ديمبسي “التقيت مع رئيس كردستان العراق الرئيس مسعود برزاني، وتحدثنا عن تطورات القتال ضد تنظيم داعش”.

وأضاف قائلاً “أقدر التضحيات التي قدمها جميع العراقيين في هذا الصراع، وهنأته على استعادة الأراضي التي تم خسرانها أمام داعش، وأعدت تأكيد التزامنا بالعمل سوية مع الحكومة العراقية لتحقيق هزيمة دائمة لداعش”. وهو ما اعتبره مراقبون رفضا واضحا لمقترح الكونغرس في تسليح الأطراف الكردية والسنية بشكل منفصل عن حكومة بغداد.

وأكد كارتر أنه بالرغم من أن بعض أعضاء الكونغرس الأميركي يريدون تسليح الأكراد والعشائر السنية إلا “أننا نعارض هذه الحركة، لأننا نعتقد أن عراقا موحدا هو مسألة مهمة لهزم داعش على المدى البعيد ولأنها ستضع بعضا من موظفينا في خطر”. وقد ارتكز وزير الدفاع في كلامه على حجج تتحدث عن ضرورة مركزة القرارين العسكري والأمني لأنهما مسألتان “فدراليتان” ولا يجب أن تكون مهمة حماية العراق بعيدة عن أعين السلطات المركزية.

وصوّت البرلمان العراقي، بدوره لصالح رفض مشروع قانون أميركي بتسليح السنة والأكراد كـ”قوتين منفصلتين” دون الرجوع إلى الحكومة الاتحادية في بغداد، في جلسة انسحب منها نواب الكتل السنية والكردية. ويتضمن مشروع القانون الخاص بميزانية 2016 لوزارة الدفاع الأميركية الذي قدمه رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي، ماك ثورنبير، منح 25 بالمئة من قيمة الميزانية المقترح تقديمها للعراق (715 مليون دولار) للأكراد وسنة العراق مباشرة وبشكل منفصل عن الحكومة العراقية المركزية.

وأكد وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أن التعامل مع القوتين كل منها على حدة “من شأنه أن يغذي الصراعات الطائفية في العراق على المدى البعيد”. فيما تواجهه آراء متابعين بالقول إن ميليشيات الحشد الشعبي هي التي تقوم باضطهاد طائفي لأنها مسلحة ومدعومة إقليميا من إيران.

أفهم رغبة الكونغرس في تجاوز الحكومة العراقية لتسليح الأكراد والسنة بشكل مباشر، إلا أننا نعارض مثل هذه الخطوة
ويوصي المشروع بالتعامل مع قوات إقليم شمال العراق (البيشمركة) والفصائل السنية المسلحة في العراق كقوتين منفصلتين من أجل “توازن القوى” أمام الكمّ الكبير من الجماعات المسلحة الشيعية، بينما يشترط أن يحبس وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين نسبة 75 بالمئة من الميزانية إلى حين التأكد من التزام الحكومة العراقية المركزية بشروط المصلحة الوطنية.

ولكن الإدارة الأميركية ترفض التعامل مع إقليم شمال العراق كقوة مستقلة وتفضل التعامل معه على أساس أنه إقليم تابع للعراق وتصر على تسليحه عبر الحكومة المركزية في بغداد.

وتبدو الإدارة الأميركية مصرة على توزيع المساعدات العسكرية على الأطراف العراقية، من خلال الحكومة المركزية في بغداد، رغم سعي الكونغرس للعمل على إرسال مساعدات عسكرية لإقليم شمال العراق مباشرة.

وفي تصريح يعكس موقف إدارة أوباما، قال وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر “أفهم رغبة الكونغرس في تجاوز الحكومة العراقية، لتسليح الأكراد وبعض المجموعات العراقية بشكل مباشر، إلا أننا نعارض مثل هذه الخطوة، لأننا نعتقد بأن عراقا موحدا يحمل أهمية حساسة إزاء هزيمة داعش على المدى الطويل”.

وقد حظي هذا التصريح بترحيب من الفصائل الشيعية المسلحة في العراق التي ترعاها حكومة حيدر عبادي في المنطقة الخضراء. ويؤكد مراقبون أن إدارة أوباما بهذه الطريقة تدفع بشكل غير مباشر بالميلشيات (الحشد الشعبي) إلى السيطرة على مجريات المعارك على الميدان ما يسمح لها بتسجيل نقاط على حساب السنة والأكراد.

السنة والأكراد يطالبون بالسلاح ردا على التقصير الأمني لحكومة بغداد

الأكراد يؤكدون أنهم بأمس الحاجة إلى الدعم والسلاح لدحر داعش

بغداد- قال رعد الدهلكي القيادي في كتلة اتحاد القوى (الممثل الأكبر للسنة في البرلمان العراقي)، إن مشروع القانون الأميركي الخاص بتسليح قوات البيشمركة الكردية (جيش إقليم شمال العراق)، وقوات سنيّة بشكل مباشر “مرحب به من قبل السنّة”.

وفي تصريح له، أوضح الدهلكي أن عدم استجابة الحكومة العراقية لمطالب تسليح مقاتلي العشائر السنية في المحافظات التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية” دفعها إلى الانفتاح على جميع الأطراف سواء أكانت عربية أم غربية بما فيها واشنطن للحصول على السلاح.

وأضاف أن “العشائر السنية وممثليها في البرلمان طالبوا الحكومة الاتحادية مرارا ومنذ أكثر من 6 أشهر بتوفير السلاح والعتاد لقتال الإرهابيين في محافظاتهم، إلا أنه للأسف حتى اليوم لم يحصلوا على الدعم المطلوب”.

وأشار الدهلكي إلى أن “عدم الاستجابة من قبل الحكومة دفع المكونات السنية إلى الانفتاح على جميع الدول العربية والغربية بغرض المطالبة بتسليح العشائر لقتال المسلحين المتشددين، وكانت الولايات المتحدة من ضمن تلك الدول”.

وبيّن أن “المشروع الأميركي لتسليح العشائر بشكل مباشر مرحب به من قبل الكتل السنيّة”، كما “ترحب أيضاً بأي نوع من أنواع الدعم الذي يقدم من جميع الدول تحت عنوان محاربة التنظيم الإرهابي”.

وتمكنت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي من الحصول على 60 صوتا موافقا على تسليحها الأكراد والعشائر السنية، في مقابل صوتين اثنين رافضين. وسوف يتم وضع مسودة المشروع في المرحلة القادمة على جدول أعمال مجلس النواب ليصوت عليها.

ومن جانبه، يرى المكون الكردي الذي يتمتع بنوع من الاستقلالية في قراراته وتعاملاته الخارجية عن الحكومة الاتحادية في بغداد، أن مشروع القانون لم يشرع بعد وعلى القوى السياسية العراقية أن تبدي مواقفها تجاهه بعد تشريعه.

عدم استجابة الحكومة دفع المكونات السنية إلى الانفتاح على جميع الدول العربية والغربية لطلب السلاح

وقال محسن السعدون القيادي في التحالف الكردستاني (الممثل الأكبر للأكراد في البرلمان العراقي)، إن العراق “بأمس الحاجة إلى الدعم والسلاح لدحر تنظيم داعش”. ورأى السعدون أن مشروع القانون الأميركي الخاص بتسليح المقاتلين السنة أو الأكراد لم يصدر لغاية اليوم بشكل رسمي، وعند صدوره سيكون للقوى السياسية العراقية الحق في إبداء الموقف بشأنه.

ومازال الطريق طويلاً أمام هذه المسودة لتصبح قانوناً، فبعد تصويت مجلس النواب الأميركي عليها، ستحال إلى مجلس الشيوخ للتعديل والتصويت عليها، وبعد إقرار النسخة المعدلة ستتجه المسودة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يمتلك صلاحية إقرارها و نقضها باستخدام حق الفيتو في مدة لاتتجاوز 10 أيام.

وأشار النائب الكردي إلى أن الدعم الأميركي مهم للعراق على اعتبار أن هناك اتفاقية أمنية طويلة الأمد موقعة بين البلدين تتضمن الجانب العسكري، لافتاً إلى أن القانون في حال كان سيصب في مصلحة العراق فإنه “سيحظى بترحيب الأطراف العراقية المختلفة”.

وتؤكد تقارير ميدانية أن المساعدات الأميركية المقترحة من شأنها حسم جانب كبير من المعارك وسوف تكون العامل المنهي للاشتباكات على الجبهات المفتوحة في الشمال والغرب والتي وصلت أخيرا إلى وسط العراق وفي مناطق التماس مع المحافظات الجنوبية ذات التواجد الشيعي الكثيف، الأمر الذي يفسر تواجد عناصر الحشد الشعبي بشكل مكثف على مستوى تلك المناطق في الآونة الأخيرة.

12