تضامنا مع إسلام البحيري

السبت 2016/01/09

قضية الحرية واحدة، لا يمكن أن تقمع المعارض السياسي وتتساهل مع الفكر النقدي، لذلك جاءت قضية إسلام البحيري في مصر في سياق طبيعي وسلبي، شاهدنا السلطة الحاكمة تجفف وسائل الإعلام من الأصوات المتمايزة، وتقود حملة تجريف للمشهد السياسي، ولا أقصد هنا حربها على الإرهاب وجماعاته وميليشياته، بل أقصد الوجوه والتيارات المدنية التي رفضت منهج الحكم الراهن كما رفضت جماعة الإخوان، لذلك ليس مستغربا أن يصدر حكم بالسجن لمدة سنة على الكاتب والإعلامي إسلام البحيري بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، فالصوت المختلف أصبح جريمة لا تطاق.

تابعت في فترة مضت إنتاج البحيري، لست معجبا البتة بأسلوبه، لكنه طرح قضايا جوهرية وحقيقية تتعلق بالإسلام وتراثه، والمؤسف حقا هو موقف الأزهر الشريف من هذه القضية، قبل زمن أصدر الأزهر وثيقة الحريات التي أشادت بها مختلف المكونات العربية، وكان مسيحيو لبنان، مثلا، مبهورين بهذه الجرعة المحترمة من التنوير والتسامح، هذا هو الأزهر الذي عرفناه، قلعة الاعتدال والتجديد، مرجعية المسلمين كلهم وليس السنة فقط، وكنا، وما زلنا، كنخب سعودية نستجير بتراث الأزهر ومواقفه وفتاواه لصد الفكر السلفي الجاف، لكن الأزهر باغتنا من حيث لا نحتسب، ولا أحيل ذلك إلى تغير عقلية الأزهر، لكنها مفسدة السلطة المطلقة.

الرئيس المصري اعتبر تجديد الخطاب الديني من مسؤولياته، لكن الأحداث تتحرك في مسار غريب، تدليل السلفيين الأشد خطرا من جماعة الإخوان، والحملات المنظمة التي طالت أصحاب الفكر التجديدي كخالد منتصر، وليس آخرا الحكم على إسلام البحيري، ولا أدري من سيكون الهدف التالي، رغم كل عيوب حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك إلا أن هناك حدا أدنى كان متوفرا، يلفتك حين تزور مفكرا كسيد القمني تأمينه بحراسة خاصة، يصدر حكم قضائي ضد إبراهيم عيسى فيصدر الرئيس من فوره عفوا، أقام مجلس الشعب الدنيا وأقعدها على الجزء الثاني من فيلم “بخيت وعديلة” فيشكل الرئيس لجنة صورية مهمتها الوحيدة هي حماية الفيلم من المنع.

القضية ببساطة أن النخب المصرية قادت ثورة تلو ثورة حتى تتقدم الأمور إلى الأمام وليس أن تتقهقر إلى الخلف، وما يثير الدهشة هو هذا الاستسهال في استهداف النخبة المصرية في الإعلام والثقافة، ليست القضية ماذا قال إسلام البحيري أو ميول يسري فودة أو سخرية باسم يوسف، القضية هي الحرية أولا ودائما، وتناول المسألة من منظور الأشخاص أو القشور سيضعفها، وتقاعس النخب المصرية في الدفاع عن حقوقها سيلغيها وسيحول أحلامها إلى كوابيس.

تهمة “ازدراء الأديان” فتحت باب محاكم تفتيش جديدة، ومن المؤسف أن نتحدث هنا عن بديهيات، فالتراث ليس دينا، والتاريخ ليس دينا، والرجال ليسوا أنبياء أو آلهة، والمؤسسة الكهنوتية ليست قدس الأقداس، وهناك نقطة يجب ألاّ نخجل من طرحها، حق الفرد في التمايز عن الأديان.

إنني أدعو المثقفين العرب جميعا إلى التضامن الكامل مع قضية إسلام البحيري، وفي ذلك غير مكسب، فالهدف هو إتاحة الفرصة للإسلام كي يجدد نفسه من داخله، وأن تعود مصر رائدة التجديد والحداثة والتنوير، وصون الحقوق والحريات، ورفض احتكار الحقيقة، وأن يأمن المثقف العربي من غدر التكفير ومن جور السلطة.

كاتب سعودي

9