تضخم الديون العائلية في تونس يحدث تغييرا في التركيبة الاجتماعية

تحولت ديون العائلات التونسية من أداة اقتصادية توفر للأسر مجالا من الكماليات أو الرفاهية إلى وسيلة ضرورية لتوفير المتطلبات الأساسية للحياة اليومية. ويؤكد خبراء مختصون أن أغلب العائلات التونسية أصبحت رهينة مختلف أنماط القروض البنكية سواء الاستهلاكية منها أو قصيرة الأجل، بالإضافة إلى اعتمادها على السلفة المالية على المرتب.
الجمعة 2017/07/21
حاجيات تتجاوز الإمكانيات

تونس- يؤشر تضخم منظومة الديون بالنسبة للعائلات التونسية على تحولات كبيرة في البنية الاجتماعية، كما يدل على بداية تآكل الطبقة المتوسطة التي تراجعت إمكانياتها نتيجة التضخم الاقتصادي واستمرار غلاء الأسعار.

ويؤكد خبراء أن تضاعف المتطلبات الحياتية نتيجة جمود الأجور وضعف زيادة الرواتب في مقابل تصاعد الأسعار جعل المواطن التونسي في ارتهان دائم للمنظومة البنكية نتيجة لجوئه إلى القروض القصيرة والسحب من الرصيد الخالي بتواتر شهري تقريبا. ويرى مراد الحطاب الخبير التونسي في المخاطر المالية، في تصريحات لـ”العرب”، أن قيمة ديون التونسيين للبنوك تقدر بحوالي 20 مليون دينار (حوالي 8 ملايين دولار). وأشار إلى أن هذا الرقم يشمل التونسيين المدمجين في الجهاز المالي ولديهم معاملات بنكية مسجلة، والذين لا تتجاوز نسبتهم 30 بالمئة فقط.

وأكد الحطاب أنه إلى جانب المديونية الضخمة فإن التعاملات المالية التي تتيحها البنوك للسحب من الأرصدة الخالية لفائدة زبائنها بلغت 5.23 مليار دينار (2.1 مليار دولار) خلال العام 2016، وهو ما يشير إلى تحولات جديدة على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. ويمثل القرض السكني وتمويل شراء سيارة عائلية وقروض الاستهلاك حوالي 70 بالمئة من إجمالي الديون البنكية للأفراد، فيما تشمل النسبة المتبقية أنماطا مستجدة من المعاملات المالية.

مراد الحطاب: التونسيون يلجأون إلى الديون بسبب الفارق بين إيراداتهم ونفقاتهم

وخلال السنوات الماضية ظهرت أنماط جديدة من القروض البنكية التي يلجأ إليها الأفراد وأرباب الأسر لتغطية نفقات مناسبات سنوية معينة من بينها العودة المدرسية أو الأعياد وشهر رمضان، والتي تحولت إلى “عرف اقتصادي” متداول. ولفت الحطاب إلى إشكالية غياب التوازن بين إيرادات التونسيين وحجم ديونهم المتزايدة، معتبرا أن هذا الاندفاع نحو التداين لا يعكس نمطا استهلاكيا محفزا للإنتاج.

وقال إن أكثر من 900 ألف عائلة تونسية ترزح تحت خط الفقر، وهو ما يعادل 30 بالمئة من إجمالي التركيبة السكانية، فضلا عن نسب بطالة مرتفعة وتشغيل هش تقارب 40 بالمئة. ويرى الحطاب أن الأرقام التي تحدث عنها لا يمكن على ضوئها تصنيف المجتمع التونسي مجتمعا استهلاكيا أو راغبا في حياة مرفهة. وقال “التونسي أصبح يلجأ إلى الدين لسد فجوة أحدثها الفارق بين الرواتب والضرورات المعيشية”.

وتطرح الزيادات التي وظفتها الحكومة التونسية مؤخرا في تسعيرة خدمات ومواد استهلاكية، من بينها الكهرباء والمحروقات، مخاوف من اتساع حجم الديون بحسب المراقبين في ظل توجه الدولة إلى مراجعة منظومة الدعم. وأكد مسؤولون تونسيون كبار في تصريحات صحافية سابقة أن الحكومة تبحث عن حلول جديدة لمراجعة سياسة الدعم بهدف جعلها في خدمة الفئات محدودة الدخل ممن ليست لهم القدرة على مواجهة المصاريف الأسرية المتفاقمة.

وتعمل المصالح الحكومية على قاعدة بيانات جديدة بخصوص الأوضاع الاجتماعية للتونسيين لتأمين برامج وإجراءات لصالح العائلات الفقيرة. ونبه الحطاب إلى أن كتلة الديون البنكية تمثل نسبة 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة يمكن أن تشهد تضخما سريعا إذا ما تخلت الحكومة عن وظائفها الاجتماعية في ظل غياب منهجيات واضحة للتخطيط وعدم التناسب بين الحجم الديمغرافي والناتج الوطني.

وأنتجت الأوضاع الاقتصادية الصعبة بنية اجتماعية غير قادرة على خلق الثروة.وتطرح فرضية زيادة الديون البنكية أكثر مخاوف جدية من ارتفاع نسبة الفقر نتيجة تراجع مستوى الطبقة الوسطى وتضخم مستويات القروض غير المستخلصة من قبل العائلات والأفراد. وتقدر جملة الديون البنكية غير المسددة بحوالي 838 مليون دينار (حوالي 400 مليون دولار) سنة 2016 وتمثل القروض الفردية للأشخاص نسبة هامة منها.

4