تضليل القارئ.. إفساد الرواية

الخميس 2016/08/04

في واحدة من أكثر عمليات التضليل الأدبي سذاجة والتي تمارسها بعض المواقع الفيسبوكية ذات الصبغة الروائية تحديدا، هي فتح استبيانات روائية “كيدية” تحاول أن تقصي الأسماء التي لها حضور سردي فاعل ومميز، وتميل إلى ترسيخ بعض الأسماء من خلال تلك الاستبيانات الجاهزة في محاولة لترسيم حدود مشبوهة بين أسماء مُختارة بقصدية وأخرى لها أهمية الحضور وقوته.

بين خفوت أسماء وبزوغ أسماء تعود تلك المواقع لمعاودة تلك الأسئلة والاستبيانات التي باتت معروفة للقارئ الذكي لتكشف تلك العلاقة المخفية بين المواقع وأصحاب الأسماء، لكن بمحاولة أكثر تعقيدا مما يمكن استشفافه من هذا التقديم بطريقة فيها خبرة ميدانية وقوة التأثير على أجيال القراءة الجديدة، ومعظمهم من طلبة الجامعات، فبعض المواقع ثبت لنا أن وراءها (روائيين) ومعنيين بالشأن السردي، وبعضها الآخر (قريبون) من هذا الشأن ولهم حيلة الكسب والجذب، فيما وُجد هناك طرف ثالث تديره شبكات نشر متواضعة وتهتم بتسيير الإصدارات الروائية لديها سواء أكانت موَرّدة إلى العراق أم مطبوعة فيه.

طبيعة الأسئلة التي تطرحها تلك المواقع متشابهة ومتطابقة تقريبا لأنها ذات طبيعة تسويقية وترويجية لأسماء معينة. وبأمثلة توضيحية مما يشاع الآن في هذه المنابر الكيدية تتكرر هذه الأسئلة “ما هي أهم رواية قرأتها خلال هذا الشهر؟” و”ما هي أفضل رواية قرأتها إلى حد الآن في هذه السنة؟” و”ما هو الروائي الذي تجده أكثر انتشارا ومبيعا؟” و”كم عدد أهم 3 روايات قرأتها مؤخرا؟” و”ماذا قرأت من روايات خلال الأشهر الستة الأولى من هذه السنة؟ ومن هي الأفضل برأيك؟”…إلخ وحينما تفحص الإجابات تجد وكأن المُجيب واحد لكن بأسماء متعددة، فالروائي الفلاني هو الهدف وبيت القصيد، والروائي الآخر في منزلة ثانية أقل والثالث له منزلة أدنى، وهكذا تتعدد الإجابات بهذا المنوال حتى تجد أن لا روائيين في البلد سوى هؤلاء الثلاثة أو الأربعة على أبعد تقدير ولا تجد سوى الرواية الفلانية هي موضوع الاستفتاء الارتجالي، ومن ثم تجد كل شيء كما لو أنه محسوم لصالح هذا الروائي وتلك الرواية. ولكم القياس على ذلك بهكذا نزوعات نفسية مريضة تربك القارئ الجاد وتضلله وتجعله حائرا فعلا أمام هذه البيانات العابرة التي يقود بعضها روائيون (مخفيون) وناشرون يروجون لبضاعاتهم الروائية وشباب مخدوعون في هذه الخلايا الاستفتائية النائمة التي تنهض بين فترة وأخرى حسب الإصدارات وأصحابها.

في العراق يحدث مثل هذا وبطريقة أصبحت مكشوفة وبائسة، ولا أعرف هل هي ابتكار عراقي أم عربي سابق، لكن اجتهادي يقول إنه ابتكار عراقي محض، نظرا إلى انتشار الرواية وكثرة كتّابها وتنوع اهتماماتهم، مثلما أصبح الأمر سهلا في الكتابة كموضة جديدة استقطبت الأغلبية من الهواة وحتى الشعراء والباحثين، بل كتبها حتى قرّاء اعتياديون لم يسبق لهم خوض تجربة الكتابة السردية.

يتحمس القارئ لهذا الروائي وذلك الشاعر والمثقف والعالم والمبدع بشكل عام. وهذا أمر طبيعي حينما تنشط القراءة في أي مجتمع ويكتسب شبابه تجربة جديدة في القراءات المنفتحة على العالَم، لكن من دون تضليله وفرض الوصاية عليه وتوجيهه بطريقة مشبوهة تحجب عنه الثمين من القراءة سواء أكان رواية أم غيرها بمثل هذه الطرق “الخبيثة” التي ضربت صميم نظريات القراءة والإنجازات النقدية المتقدمة في العالم وحولتها إلى منظومة فساد تتداولها مواقع صغيرة يقف وراءها من يقف، فأنتجت لنا قارئا مضللا.

هل الفساد السياسي العراقي المعروف وصل إلى الرواية بغرض إفسادها؟

كاتب من العراق

14