تضييق الخناق على إيران: إبقاء الاتفاق النووي وفتح ملفات أخرى

لا يعتبر اتهام إيران بالاتجار بالبشر جديدا، فهي تحتل دائما مركزا متقدما في قائمة الدولة المتورطة في تلك العمليات على مستوى العالم خلال الفترة الماضية، لكن الجديد في الأمر تزايد الاهتمام العالمي بهذه القضية ما يزيد من عزلة إيران ويضع عقبات جديدة أمام مساعي الحصول على عوائد أكبر من الاتفاق النووي الذي يواجه تحديات صعبة حاليا.
الثلاثاء 2017/10/03
حقوق الإنسان المنتهكة في إيران ملف كل الأوقات

أعلن البيت الأبيض في 30 سبتمبر الماضي أنه أمر بإضافة كل من إيران وفنزويلا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وجنوب السودان والسودان إلى قائمة الدول المتهمة بالتقاعس عن وقف الاتجار بالبشر.

واتجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض قيود جديدة على تلك الدول، على غرار تقليص مشاركتها في برامج التبادل التعليمي أو الثقافي وإصدار تعليمات إلى المديرين التنفيذيين الأميركيين في صندوق النقد الدولي وبعض بنوك التنمية متعددة الأطراف بعدم دعم تقديم أي قروض لتلك الدول خلال العام المالي 2018.

يدعم هذه الخطوة التي اتخذتها واشنطن، تقرير صدر عن منظمة هيومن رايتس ووتش (يوم 1 أكتوبر)، قال إن الحرس الثوري الإيراني يقوم بتجنيد أطفال أفغان يعيشون في إيران، تبدأ أعمارهم من 14 عاما ضمن لواء الفاطميين للقتال في سوريا. وأشار باحثون في المنظمة إلى أنهم سجلوا ثمانية قبور داخل إيران لأطفال قتلوا في سوريا خلال مشاركتهم في المواجهات المسلحة إلى جانب القوات النظامية.

عقبات جديدة

الواضح حتى الآن أن القيود التي من المتوقع أن تفرضها واشنطن على طهران لم تصل إلى المستوى الذي يفرض ضغوطا قوية على الأخيرة، في ظل عدم وجود علاقات بين الطرفين على المستويين التعليمي والثقافي، وعزوف إيران عن التقدم بطلبات للحصول على قروض من المنظمات الدولية.

وفضلت إيران الاعتماد على قروض مقدمة من بعض المصارف الآسيوية والأوروبية، مثل القرض الذي حصلت عليه من مصرف “أكسيم” الكوري الجنوبي بقيمة 8 مليارات يورو، في 24 أغسطس 2017 وهو الأكبر من نوعه منذ الوصول إلى الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015، والقرض الذي حصلت عليه من مصرف “أوبربنك” النمساوي في 21 سبتمبر الفائت بقيمة مليار يورو.

ذلك لا ينفي أن الضغوط التي يمكن أن يفرضها هذا الملف سوف تكون لها انعكاسات أكثر قوة على ملفات أخرى، في ما يتعلق بالجهود التي تبذلها حكومة الرئيس حسن روحاني من أجل رفع مستوى العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي، فضلا عن تزايد الاهتمام الدولي بأدوارها في الأزمات الإقليمية المختلفة، خاصة الأزمة السورية.

متوقع أن يلقي التركيز على تورط إيران في عمليات الاتجار بالبشر بالمزيد من الضوء على الجهود التي تبذلها من أجل استغلال المهاجرين والمقيمين غير الشرعيين من الأفغان على أراضيها إلى جانب باكستانيين في تكوين ميليشيات طائفية تستخدمها لدعم حلفائها في مناطق الصراع، في إطار سياسة الحرب بالوكالة التي تتبناها بشكل مستمر في التعامل مع الأزمات الإقليمية التي يتعرض لها حلفاؤها على غرار ما حدث في سوريا منذ مارس 2011.

وكشف التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية حول الاتجار بالبشر في العالم أن إيران تقوم بإرسال الآلاف من المواطنين الأفغان والباكستانيين، بينهم أطفال، إلى مناطق الصراع في سوريا تحت شعار الدفاع عن مقام السيدة زينب.

الجهود التي قامت بها إيران لتكوين لواء الفاطميين (الميليشيات الأفغانية) ولواء الزينبيين (الميليشيات الباكستانية) بدأت منذ فترة ليست قصيرة، تحديدا خلال مرحلة ما بعد اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011.

وتغاضت الإدارة الأميركية السابقة برئاسة باراك أوباما عن ذلك، في إطار حرصها على تجنب الدخول في خلافات كبيرة مع إيران حول مثل هذه النوعية من القضايا بهدف تعزيز فرص الوصول إلى الصفقة النووية، خاصة أنها بدأت مبكرا في محاولة فتح قنوات تواصل مع طهران.

مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بدا أن ثمة تحولا في السياسة الأميركية تجاه إيران باتجاه التحرك من أجل مواجهة أدوارها السلبية في الأزمات الإقليمية المختلفة والتركيز على مثل هذه الملفات.

شعارات لا تخفي بشاعة الملفات الداخلية

وفي 19 سبتمبر الماضي، اتهم ترامب، خلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة، إيران بالسعي للحصول على أسلحة نووية، وبتصدير العنف إلى كل من اليمن، وسوريا، وغيرها من الدول في منطقة الشرق الأوسط.

ويهدد ترامب، منذ وصوله إلى منصبه في 20 يناير الماضي، بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، واصفًا إياه بأنه "أسوأ صفقة تم التفاوض حولها".

وتكتسب الاتهامات الموجهة لإيران بالاتجار بالبشر أهميتها، باعتبار أنها يمكن أن تكون مقدمة لاتخاذ خطوات أكثر تصعيدا وسط سعي الإدارة الأميركية إلى كبح جماح نفوذ إيران في سوريا وغيرها من دول الأزمات، بل وحرصها على توجيه إشارات عديدة برفضها التحركات التي تقوم بها الميليشيات الموالية لها في سوريا، على غرار ما حدث عندما قامت قواتها بقصف قافلة تابعة لتلك الميليشيات في جنوب سوريا في 20 مايو الماضي.

وتصاعد اهتمام المجتمع الدولي بهذه القضية خلال المرحلة القادمة يضع المزيد من العقبات أمام الجهود التي تبذلها حكومة الرئيس حسن روحاني للحصول على عوائد اقتصادية أكبر من الاتفاق النووي، لأن كل الصفقات التي وقعتها في الفترة التي تلت رفع العقوبات الدولية المفروضة عليها، في منتصف يناير 2016، لم تكن على مستوى الطموحات التي روجت لها الحكومة بعد الوصول إلى الاتفاق.

ويضيف اتهام إيران بالتورط في عمليات اتجار بالبشر دوافع جديدة للعديد من الشركات والمصارف الغربية التي ما زالت مترددة في دخول السوق الإيراني، بسبب التخوف من التعرض لعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأميركية، في حالة انخراطها في تعاملات مالية مع جهات اقتصادية تابعة للحرس الثوري أو مصنفة ضمن “القائمة السوداء” الأميركية لدعمها برنامج الصواريخ الباليستية.

ويمكن أن يكون انخراط المصرفين النمساوي والكوري الجنوبي في تعاملات بنكية مع إيران، محفوفا بالمخاطر، لأنهما يغامران بالتعرض لعقوبات أميركية، على غرار تلك التي فرضت على بنك بي إن بي باريبا الفرنسي ووصلت قيمتها إلى 8.9 مليار دولار في يونيو 2014، بعد اتهامه بخرق العقوبات المفروضة على إيران والسودان وكوبا في الفترة من 2002 إلى 2009.

توقعات ظريف

دفع حرص واشنطن على فتح المزيد من الملفات الخلافية مع طهران، وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى استباق إعلان الإدارة الأميركية عن موقفها من الاتفاق النووي في منتصف أكتوبر الحالي، بترجيحه إقرارها بعدم التزام إيران به بشكل يمهد لخطوات أخرى أكثر قوة تحاول الأخيرة تجنبها.

وقال ظريف في مقابلة مع صحيفة ذي غارديان البريطانية في 29 سبتمبر الفائت، إنه يتوقع أن يعلن ترامب عدم امتثال إيران للاتفاق في التقرير الذي سيرفعه إلى الكونغرس في 15 أكتوبر الجاري، بشكل يمكن أن يمهد لانسحاب واشنطن من الاتفاق، ويدفع الكونغرس إلى إعادة فرض العقوبات التي رفعت بمقتضاه خلال مدة ستين يوما.

لم يكتف ظريف بذلك، بل أشار إلى أن هذه الخطوة تدفع إيران إما إلى التعويل على استمرار العمل بالاتفاق مع الدول الأوروبية، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إلى جانب روسيا والصين، وإما العودة من جديد إلى رفع مستوى قدراتها النووية في حالة إذا دعمت القوى الأخيرة سياسة واشنطن.

في النهاية تعزز الملفات الخلافية المتزايدة من احتمالات تعرض إيران لعقوبات وعزلة دولية جديدة، لتدخلاتها في أزمات إقليمية مختلفة وتصاعد الشكوك في مدى التزامها بالاتفاق النووي.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

7