تضييق مصري على ملاذات الإرهابيين خارج الحدود يحرج قطر وتركيا

وعي دولي بأهمية التنسيق الأمني لمحاربة الإرهاب العابر للحدود، وزيادة وتيرة التنسيق على المستويات الثنائية بين الدول لتسليم العناصر الهاربة يضع تركيا وقطر في مأزق شديد.
الاثنين 2020/05/18
تسليم عشماوي إلى مصر عينة على نجاح التعاون في مكافحة الإرهاب

تسريع مصر في خطوات محاصرة العناصر الإرهابية الهاربة إلى الخارج، حقق نتائج أمنية مباشرة، تمثلت في تسلمها العديد من الإرهابيين الذين مثّلوا خطرا دائما على مصر والمنطقة والعالم، لكنه أدى أيضا إلى كشف المزيد من الحقائق حول الدور القطري التركي في رعاية العناصر الإرهابية واحتضانها. ولئن كان هذا الدور غير محتاج إلى أدلة لدى الأقطار العربية، إلا أن أهميته بالغة عند الدول الغربية التي أصبحت على وعي بالعلاقة التي تصل تنظيمات الإرهاب بالدوحة وأنقرة.

القاهرة – ضاعفت مصر من خطواتها الساعية لتضييق الخناق على العناصر الهاربة إلى الخارج، التي تورطت في أعمال عنف وإرهاب داخل البلاد طيلة الأعوام الماضية، وتسلمت بعض الكوادر المتطرفة مؤخراً من بلدان عدة، في خطوة تؤكد تحولات في مواقف بعض الدول من احتضان تكفيريين وقيادات إسلامية مطلوبة جنائيا، ما يضيّق الخناق على الفارين إلى كل من الدوحة وأنقرة والذين يتنقلون بأريحية كاملة.

أعلنت السلطات الأمنية في أوكرانيا، الخميس، إلقاء القبض على الإخواني معتز محمد ربيع، بناء على مذكرة ضبط صادرة من قبل الشرطة الدولية (الانتربول) لارتكابه جرائم خطيرة داخل مصر، تحديداَ في محافظة الفيوم، عقب الإطاحة بنظام جماعة الإخوان المسلمين من الحكم في 3 يوليو 2013.

قال المتحدث باسم الإدارة الإقليمية لجهاز “أس.بي.أو”، ألكسي سكريلنيك، إن المتهم متورط أيضاً بالترويج لأفكار التطرف الراديكالي بين المسلمين داخل أوكرانيا، كاشفاً عن تخطيط كييف لتسليم المتهم إلى مصر في أقرب فرصة.

وتعد أوكرانيا من الدول الرئيسية التي تتخذها عناصر تكفيرية ملاذاً آمناً للتخطيط لعمليات إرهابية، باعتبارها لا تشكل بؤرة لتنفيذها في أراضيها، ولا تلفت الأنظار إليها، وهو ما تنبهت إليه بعض الأجهزة الأمنية هناك، وألقت القبض في نوفمبر الماضي على أحد أبرز قياديي تنظيم “داعش” وهو الإرهابي البراء الشيشاني في العاصمة كييف.

جاءت تلك التحركات في وقت تحدثت فيه مصادر أمنية مصرية عدة عن اقتراب تسلم خمسة عناصر من الهاربين إلى السودان، من التابعين لحركة “سواعد مصر”، الذراع العسكرية لتنظيم الإخوان، والذين نفذوا عدة عمليات إرهابية ضد أهداف مدنية وعسكرية في مصر، قبل أن تضبطهم قوات الأمن السودانية في شهر فبراير الماضي أثناء محاولة الهروب إلى تركيا.

لن يصمت العالم طويلا على الإرهاب العابر للحدود، مع توالي ثبوت الأدلة على عناصر متطرفة تقيم في الدوحة وإسطنبول
 

أكدت مصادر أمنية لـ”العرب”، أن مصر نوّعت من تعاونها الاستخباراتي مع العديد من الدول التي تتواجد بها عناصر مطلوبة على ذمة القضاء، وقدمت معلومات دقيقة بشأن أشخاص يتواجدون في دول مختلفة تورطوا في أحداث إرهاب داخلها، ووجدت تجاوباً مع كثير من المعلومات التي قدمتها لأنها صحيحة وموثقة، ما انعكس على توالي تسليم هذه العناصر منذ بداية العام الماضي، ويرجح تزايد الأعداد الفترة المقبلة مع تطور علاقات القاهرة مع عواصم عديدة في العالم، والتأكد من خطورة تحركات هذه العناصر على الدول التي تقيم فيها.

توقعت المصادر ذاتها، تسليم العديد من المطلوبين إلى القاهرة قريبا، في ظل فتح الأجهزة الاستخباراتية المصرية لهذا الملف على نطاق دولي واسع، ومحاولات تنشيطه على أكثر من مستوى، وإن كان الاهتمام الدولي الأول بفايروس كورونا قد عطّل بعض الزيارات الدبلوماسية والاستخباراتية التي كانت تستهدف تسريع عملية تسليم العناصر المطلوبة.

ويرى مراقبون أن زيادة وتيرة التنسيق على المستويات الثنائية بين الدول لتسليم العناصر الهاربة يضع تركيا وقطر في مأزق شديد، في ظل خشية العديد من الدول من استغلال التنظيمات المتطرفة لحالة الفراغ الأمني التي أفرزها انشغال بعض الأجهزة الأمنية بمواجهة آثار انتشار الوباء لاستعادة نشاطها من جديد، وهو ما ظهر في ارتفاع وتيرة الأعمال الإرهابية خلال الشهرين الماضيين في أفريقيا، وهي واحدة من الجهات الرئيسية التي قصدتها مصر.

قال عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب، خالد عكاشة، إن القاهرة أسست شراكات أمنية فاعلة مع العديد من الدول في إطار التعاون المشترك، وأن الهدف الأساسي يكمن في محاربة الإرهاب العابر للحدود والقارات على المستوى الدولي، لأنه لم يعد هناك مستقر واضح للكثير من العناصر التي تتواجد في مناطق وتنفذ عملياتها في دول أخرى.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن هناك رغبة دولية في مجاراة التكتيكات التي تتبعها العناصر الإرهابية على مدار العقد المنقضي، وأن ذلك انعكس على جدية التعاون الإيجابي بين كثير من الدول كي تساهم في حصر الأدوار المتنوعة التي يجري تبادلها بين عناصر التنظيم الواحد، من حيث الإقامة وتوفير التمويل واستغلال المنصات الإلكترونية في توزيع الأدوار.

وبذلت مصر جهوداً مضاعفة خلال ترؤّسها لجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة عام 2018، لإقناع المجتمع الدولي بضرورة تجفيف منابع الإرهاب عبر التضييق على العناصر الهاربة وقطع خطوط الاتصال بينها وتحجيم عملية تنقلها من دولة إلى أخرى، ولاقت الخطط التي عرضتها قبولا دوليا.

قطر وتركيا في المرمى

مكافحة الإرهاب في الداخل والخارج
مكافحة الإرهاب في الداخل والخارج

من وجهة نظر عكاشة، الذي يرأس المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية في القاهرة، قطر وتركيا حالة شاذة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، لأنهما توفران حماية سياسية للعناصر المتواجدة على أراضيهما، بالتالي فإن جهود التتبع والرصد والملاحقة لا تطبق على الهاربين إليهما، وتجد صعوبة بالغة في تطبيقها دوليا، لكن العالم لن يصمت طويلا على هذه المسألة، مع توالي ثبوت الأدلة على عناصر متطرفة تقيم في الدوحة وإسطنبول.

ولم يستبعد الخبير الأمني، أن تطال الضغوط الدولية التي تمارسها منظمات ودول عدة البلدين بما يؤدي إلى عدم استمرار الأوضاع الحالية لفترة طويلة، مع تصاعد تعرضهما للحرج نتيجة تورط عناصر وفرت الحماية لها بتخطيط وتنفيذ عمليات إرهابية.

كشفت التحقيقات التي أجرتها مصر والكويت بشأن الخلية التي ضبطتها الأخيرة، عن تواصل أعضائها مع قيادات إخوانية في دول مختلفة، أبرزها تركيا وقطر، ونقل معلومات مفصلة عن نشاط الجاليات العربية المقيمة بالكويت، والقيام بتحويلات مالية بأسماء شخصيات لا تنتمي للإخوان، لتمويل النشاط الإرهابي للتنظيم في مصر، وأن أعضاء الخلية تواصلوا مع قيادات في عدد من المحافظات المصرية.

يشار إلى أن القاهرة تسلمت في 30 سبتمبر الماضي عدداً من المتهمين في خلية الإخوان التي تم ضبطها بالكويت في أغسطس من نفس العام، وتشكلت من 68 عنصرًا، بينهم القيادي خالد محمود المهدي الذي هرب من مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013 عن طريق السودان ومنه إلى الكويت، وهو من أخطر العناصر المطلوبة لدى القاهرة لتورطه في العديد من العمليات الإرهابية.

وقال الباحث في شؤون الحركات المتظرفة والإرهاب، منير أديب، لـ”العرب” إن زيادة وتيرة تسليم العناصر الهاربة تشكل ردعاً لجميع الهاربين إلى الخارج، وبالتحديد الكوادر التي تتواجد في قطر وتركيا، وأن مصر بعثت برسائل مفادها أن كل من تورط في أعمال العنف سيجري التوصل إليه عاجلاً أم آجلاً، وتمكنت بالفعل من تضييق دوائر التخطيط للعمليات الإرهابية، بعد أن وصلت إلى بعض العقول المدبرة في الخارج.

ملاحقة الإرهاب في الخارج

جميع الدول تقاتل بوضوح الجماعات الإرهابية باستثناء تركيا وقطر
جميع الدول تقاتل بوضوح الجماعات الإرهابية باستثناء تركيا وقطر

وأوضح منير أديب أن الأجهزة الأمنية تدرك تماماً أنه لا فائدة من مواجهة الإرهاب بحسم في الداخل دون أن يطال الأمر أمراء هذه التنظيمات في الخارج، والذين يعيشون طلقاء ولا تضييق عليهم، ولذلك فمن الضروري إجبارهم على تغيير طرق تخطيطهم للعمليات الإرهابية عبر مخاطبة المجتمع الدولي مرارا، ما يؤثر سلباً على مؤشر تسليمهم.

ولفت أديب، إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في عدم وضوح استراتيجيات بعض الدول في التعامل مع العناصر التي تتوافر عنها معلومات لدى غالبية الأجهزة الأمنية على مستوى العالم، وأن الجهود الثنائية بين الدول ما زالت مهيمنة على خطط مكافحة الإرهاب بشكل عام، بالتالي يرجح أن تنجح القاهرة في استرداد الكثير من العناصر المتواجدة في دول عدة بصور ثنائية، باستثناء قطر وتركيا اللتين تصمّمان على استمرار العداء للنظام المصري ولكل الدول العربية (الإمارات والسعودية والبحرين) التي تقاتل بوضوح الجماعات الإرهابية.

وسلم الجيش الوطني الليبي الإرهابي هشام عشماوي إلى جهاز المخابرات العامة المصرية، خلال زيارة الوزير عباس كامل إلى ليبيا في مايو من العام الماضي، قبل أن يصدر القضاء المصري حكما بإعدامه جرى تنفيذه منذ شهرين.

ويشير بعض الخبراء إلى أن تضييق الأجهزة الأمنية الخناق على العناصر الإرهابية الهاربة يدفع بالعديد منهم إلى ترك الدول التي يقيمون فيها ويذهبون باتجاه قطر وتركيا، ما يضاعف الضغوط الدولية على البلدين، لاسيما أن أنقرة تواجه انتقادات عديدة من الاتحاد الأوروبي نتيجة إيواء عناصر إرهابية.

وذكر الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، عمرو عبدالمنعم، أن عناصر نشطة في التنظيمات الإرهابية ستجد ضالتها داخل تركيا وقطر وإيران، إلى جانب بعض الدول التي تشهد سيولة أمنية ويكون من الصعب الوصول إليهم.

وشدد على أن هذه الدول قد تكون نقطة انطلاق لاستعادة تنظيم داعش بعض المناطق التي فقدها في العراق، علاوة على تهديد الأمن القومي المصري من خلال زج أنقرة بإرهابيين من سوريا إلى ليبيا، من هنا ستكون الجهود المقبلة بحاجة إلى تأييد دولي ينعكس في شكل إجراءات تستهدف تجفيف منابع الإرهاب.

وبعد أن وجدت القاهرة نتائج مثمرة لتحركاتها في مخاطبة دول متباينة، قررت تكثيف جهودها على المستوى الثنائي، إلى حين تشكل رؤية دولية جماعية لتقويض الدور الذي تلعبه كوادر متشددة كامنة وتتدثر بألوية سياسية، وتستغل الغطاء الذي تلتحف به في عدد من العواصم.

13