تطاوين: الاحتجاج وأزمة الفاعل السياسي

الثلاثاء 2017/05/23
الاحتجاج السلمي فعل مدني

أزمة محافظة تطاوين التونسية المشتعلة منذ أكثر من شهر على الأقل هي في العمق أزمة حوكمة في البلاد أكثر منها أزمة حكم، لفاعل رسمي تتلاشى أمامه خيارات التهدئة وبدائل التنفيس في ظل معضلة هيكليّة وبنيوية نشأت مع نشأة دولة الاستقلال.

تتصاعد حدة الأزمة في تطاوين باطراد وتتجه نحو منحى خطير عنوانه العجز عن إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في التوصل إلى صيغة توافقية قادرة على إطفاء غضب المحتجين ومعالجة أسباب الاحتجاج.

عندما تعجز الدولة عن صناعة التنمية عبر تعميم نموذج استدرار الفائدة على كافة الجهات، وتبقى حبيسة نماذج اقتصادية رخوة على غرار السياحة والتعويل على شراكات اقتصادية مع دول الجوار الملتهب، يصبح البحث عن الريع المحلي والثروة المناطقية عنوان أي تحرّك واعتصام محلي.

اليوم، الدعوة التي يوجهها أهالي تطاوين إلى الفاعل الرسمي متمثلة في حقهم في ريع النفط من حقول الكامور وغيرها من الحقول، وأحقيتهم في العمل ضمن هذه الشركات النفطية الخمس وإلا فإن مصير المضخات سيكون الإغلاق وهو ما تمّ خلال الأيام الماضية.

منطق مناطقية الثروات وجهوية الريع هو الرد الحتمي لسياسة التنمية التي سادت في تونس لعقود طويلة، وهي سياسة أثرت الشريط الساحلي على حساب المناطق الداخلية وحوّلتها إلى مناطق “ظلّ” وتهميش.

الزمن السياسي المعتمد في تونس ما بعد 14 يناير، يأبى الاستباق ويفضل الفلسفة الإطفائية في التعامل مع المشاكل الكبرى

على مدى عقود الاستقلال، كانت تونس الرسمية تنظر بنصف عين إلى الجغرافيا الوطنية معممة فرص الاستثمار ومقومات التنمية المحلية والخاصة على جهات بعينها، الأمر الذي خلق جهوية اقتصادية سرعان ما استحالت جهوية سياسية وتباينا نفسيا، كثيرا ما يتحوّل إلى هشيم دعائي خطير للشعبوية السياسية خلال الانتخابات.

ولئن وجدت الطبقة السياسية التونسية في انتخابات البلديات المزمع إجراؤها يوم 17 ديسمبر 2017 الترياق الأفضل لمصالحة المناطق الداخلية حيث من المنتظر أن تعمل السلطات المحلية المنتخبة على تسريع وتيرة فرص المشاريع ودعم الحكم المحليّ، إلا أنّ الزمن السياسي المعتمد في تونس ما بعد 14 يناير 2011، يأبى الاستباق ويفضل الفلسفة الإطفائية في التعامل مع المشاكل الكبرى.

الأزمة في تطاوين عميقة ومركبة جدّا، تحيل في جزء منها إلى هشاشة الاقتصاد التونسي وفي جزء آخر إلى ارتفاع منسوب التطلعات الاجتماعية وقلة يد الدولة التونسية والشركات الخاصة، وفي جزء ثالث إلى قلّة البدائل وهوانها لا سيّما تلك المتعلقة بالوعود الاستثمارية التي وقع إطلاقها في مؤتمر 2020 والتي لم يحصل تكريسها إلى يوم الناس هذا.

الأزمة في تطاوين، هي واحدة من أكثر المشاكلات تعقيدا في عمر الدولة التونسية، لا فقط لأنّ المحتجين يمثلون الإجابة الأكثر حدة على التهميش الهيكلي الحاصل في تلك المناطق، بل أيضا لأنّ الفاعل الرسمي اختار منذ انبلاج الثورة التونسية في 14 يناير مسلكية خاطئة وخطيرة في إخماد الاحتجاجات.

منذ 2011، والحكومات المتعاقبة رهينة اعتماد الحلول الاجتماعية على حساب الإكراهات الاقتصادية. عملت الحكومات المتعاقبة على إسكات أصوات الاحتجاج بفتح عشرات الآلاف من الوظائف العموميّة وبتعويض الآلاف من المنتفعين بالعفو العامّ، على حساب الخزينة العامة التي باتت عاجزة عن الاستثمار والتنمية في ظلّ اقتطاعات مادية ضخمة، دوريّة ومتزايدة باطراد.

المفارقة أنّ مسلكية إسكات الاحتجاج الاجتماعي على حساب التوازنات الاقتصاديّة، تسعى حكومة يوسف الشاهد إلى سحبها على الشركات الخاصّة بعد أن تجاوزت الشركات العمومية مستوى الاستيعاب بعشرات الآلاف من الموظفين الزائدين عن الحاجة. الأمر الذي أفضى بالكثير من المؤسسات الخاصة إلى مغادرة البلاد، فلئن اجتبت الدولة مسلكية الإرضاء بإغراق الموازنة فإنّ الشركات عابرة القارات لا تقبل بغير مقولة “العمل مقابل الشاغر”.. والأجر مقابل القيمة المضافة.

تونس في حاجة إلى عقد اجتماعي يعيد الكرامة المادية للإنسان دون أن يضع الدولة رهينة اقتراضات جديدة لتوظيف وهمي، ويعيد تشكيل المجال الاقتصادي ويمنح الرأس المال الوطني هامش التحرّك، ويؤصل للعدالة الاجتماعية قاطرة عنوانها أنّ منطق المناطقيات يضرب الدولة في الصميم وأنّ الثورة قائمة على التقسيم العادل للثروات وليس التقسيم العادل للفقر والفاقة.

12