تطاوين والخيارات القليلة.. الأزمة الاقتصادية أم التعاطي الأمني

الثلاثاء 2017/05/23
أزمة هيكلية

تونس- الأحداث التي اجتاحت محافظة تطاوين (جنوب تونس) منذ أكثر من شهر، عكست أولا تناقض القراءات السياسية في فهمها والتعاطي معها، وعبرت ثانيا عن الأزمة البنيوية والهيكلية التي تمس الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد.

الاحتجاجات التي انطلقت في تطاوين منذ أسابيع للمطالبة بنصيب الجهة من التنمية، وتحقيق “التمييز الإيجابي” للجهات المحرومة من التنمية، وفق المبدأ الذي توصلت حكومات ما بعد ثورة يناير 2011 إلى تكريسه، كان عنوانها ومبررها أن الجهة لا تتمتع بالخيرات المدفونة تحت أراضيها، والمقصود بالخيرات هنا، هي آبار النفط الموجودة في صحراء المحافظة.

الاحتجاجات لقيت مساندة من قسم واسع من الأحزاب السياسية والمجتمع المدني التونسي، وواجهت أيضا معارضة لها بمنطلقات مختلفة؛ أولها خطورة المنطقة المفتوحة على الحدود مع ليبيا بما يعني فتح البلاد على أخطار تسرب العناصر الإرهابية، وثانيها أنهاك القوى الأمنية والعسكرية، وثالثها أن ثروات البلاد ملك للبلاد بأسرها ولا يفترض المطالبة بأن يخصص جزء منها لجهة معينة وإلا لطالبت كل جهة بـ”تأميم” ما تحتويه من ثورات.

على أن الاحتجاجات في تطاوين بقدر ما فرضت من حتمية الانتباه إلى الأسئلة التنموية الحقيقية التي أجلت طويلا، فإنها أيضا عرت الانقسام السياسي الحاد في البلاد، وكشفت مفارقات كثيرة من قبيل مشاركة العديد من القيادات الحزبية المشاركة في الحكومة في مساندة الاحتجاج، وكأنها بذلك تريد جني قطاف الحكم والمعارضة في آن. الأزمة في تطاوين والتي عرفت تصعيدا كبيرا بداية هذا الأسبوع، خاصة مع أحداث الإثنين، لا يمكن عدّها مجرد احتجاجات شباب عاطل عن العمل يطالب بتوفير فرص الشغل، بل هي في عمقها أزمة تعاطي الدولة التونسية منذ الاستقلال مع مشكلة التنمية في الجهات.

تطاوين مثلها مثل العديد من الجهات المحرومة من البنية التحتية ومن النسيج الاقتصادي الذي يسمح بإطلاق التنمية وخلق الثروة، هي ضحية الخيارات الاقتصادية للبلاد منذ عقود. لكن هذا الإقرار لا يعني أن حل هذا الخلل المزمن يحصل بالغلو في الاحتجاج، والمقصود بالغلو الذهاب إلى درجة إغلاق محطة ضخ النفط.

الاحتجاجات في تطاوين، وخاصة مع بعض أصوات المساندة الشعوبية التي التصقت بها، حصرت الوضع في خيارين أحلاهما مر؛ إما الاستجابة للمطالب العاجلة للمحتجين بما تعنيه من تعميق للأزمة الاقتصادية، وإما السعي لإيقاف الاحتجاج والذي يعني بدوره إطلاق يد القوى الأمنية والعسكرية

الحكومة التونسية التي أعلنت على لسان رئيسها يوسف الشاهد أنها “تتفهّم التحركات الاحتجاجية السلمية، لكنها لا يمكن أن تتقبل الاحتجاجات التي تغلق منشآت الإنتاج الحيوية (منشآت إنتاج البترول والفوسفات) وتقطع الطرقات، وستتصدى لها” ولئن حاولت نهاية شهر أبريل الماضي التدخل لإطفاء الحريق في تطاوين أو تطويقه، وعبرت أيضا عن تفهمها للاحتجاجات المشروعة على أن تحافظ على سلميتها متهمة من قبل العديد من الأصوات بأنها تأخرت في التدخل ولم تسع إلى مصارحة الناس بحقيقة الوضع في تطاوين وفي غيرها من الجهات.

يكاد يحصل إجماع على أن وتونس منتج صغير للنفط حيث تبلغ طاقة إنتاجها 44 ألف برميل يوميا، ويكاد يحصل اتفاق أيضا على أن الاحتجاجات المستمرة منذ أسابيع مثلت ضغطا على الفاعل السياسي في وقت تستعد فيه البلاد لتنفيذ إصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشفية تطالب بها جهات الإقراض الدولية، بصرف النظر عن وجاهتها أو مردوديتها.

على أن الزوايا السابقة لفهم الأحداث في تطاوين تقتضي أيضا النظر إلى المسألة من زاوية كونها تطرح إشكاليات أعمق وأخطر من الوضع الراهن، على صعوبته وحساسيته للبلاد، سياسيا واقتصاديا.

الاحتجاجات في تطاوين، وخاصة مع بعض أصوات المساندة الشعوبية التي التصقت بها، حصرت الوضع في خيارين أحلاهما مر؛ إما الاستجابة للمطالب العاجلة للمحتجين بما تعنيه من تعميق للأزمة الاقتصادية، وإما السعي لإيقاف الاحتجاج والذي يعني بدوره إطلاق يد القوى الأمنية والعسكرية. المعضلة تقتضي أيضا الفصل أو التمييز بين إمكانية توجيه أرباح المؤسسات النفطية لمساعدة العاطلين والمحتاجين عبر أطر وأساليب عديدة، وبين فرض زيادة نسبة التشغيل بهذه المؤسسات ما يعرضها للخسارة وتاليا مغادرة البلاد.

لا يمكن الركون إلى أغلب القراءات السياسية التي سارعت لتقديم فهم للأحداث بتطاوين، حيث انقسمت القراءات بين من يعتبر التحركات الاحتجاجية ضربا من التأسيس للإرهاب ونوعا من الدعاوى الانفصالية واستسهل تأثيم أهالي المحافظة بكونهم استجابوا للتحريض الشعبوي القادم من جهات سياسية محددة، وبين من يعتبر الاحتجاجات شرعية ومشروعة ومقدمة لإعادة بناء منوال تنموي جديد، بل ثمة أصوات تعتبر أحداث تطاوين صرخة ضد الفساد المستشري في البلاد ومطالبة باستقلال البلاد وسيادتها على ثرواتها.

بين كل هذه القراءات المتباينة يفترض التنسيب؛ فشرعية الاحتجاج لا تشرع إيقاف الإنتاج والحلول محل الدولة، وشرعية الاحتجاج لا تجيز قطع الطرقات وعزل المدينة، لكن تأثيم التحركات ووصمها بالإرهاب والدعوشة إنما أيضا تهرب من المسؤولية في الفهم أولا وفي العلاج ثانيا، فضلا عن أثر ذلك لدى المحتجين ذاتهم.

اقرأ أيضا:

شعبوية الاحتجاج ومنازعة الدولة في أدوارها

تطاوين: الاحتجاج وأزمة الفاعل السياسي

12