تطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران دق ناقوس الخطر في الشرق الأوسط

الأربعاء 2013/11/06
حلفاء الأمس أعداء اليوم بسبب الحسابات المرتبطة بحل الأزمة السورية

على الرغم من الخلافات السياسية الضخمة بين إيران وتركيا، فإن القيادة السياسية لحزب العدالة والتنمية والبيروقراطية المؤيدة لها تفضل علاقات دافئة مع النظام الإيراني، هذه العلاقات التي لم تكن متوازنة أبداً في العقد الأخير ولا أعني فقط على المستوى الاقتصادي فليس لدى تركيا الكثير لتفعله في وجه الثراء الإيراني الطبيعي بالغاز والنفط الذي تحتاجه.

تقدم تركيا الكثير من التنازلات على المستويات الأخرى فعلى سبيل المثال تتمتع الشركات الإيرانية بحرية عالية في العمل على الأراضي التركية، لكن هذا لا يطبّق على الشركات التركية في إيران، كما أنه لإيران تأثير عال من خلال الآلاف من الصحفيين والمثقفين والسياسيين ومؤسسات المجتمع المدني ذات الطابع اليساري المعادي لأميركا بالمقابل لا تمتلك تركيا ولوجزءا من هذا التأثير في الجانب الآخر، ومن الناحية االمذهبية فالممنتسبين للمذهب الجعفري والعلويين–الذين يتعاطفون بشكل كبيرمع إيران- لا يعانون مشاكل في التعبير، في تركيا، مما لا يمكن قوله بالنسبة للسنة في إيران.

أما فيما يخص القضايا الرئيسية فإن تركيا ساندت المشروع النووي الإيراني في وجه حلفائها الغربيين بل وحاولت أن تلعب دور الوسيط في عدة مناسبات في محاولة لإعطاء صورة للعالم بأن تركيا هي الجسر الرابط بين الشرق والغرب، كما أنها كانت أول المهنئين لأحمدي نجاد - المكروه من حلفائها الغربيين - عند انتخابه لولاية ثانية، ومن ناحية أخرى لم تساند تركيا أيا من الفصائل المعادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية سواء المعارضة الأحوازية العربية أوالكردية أو منظمة مجاهدي خلق اليسارية، والعلاقات الحميمة بين القيادات الإيرانية وقيادات حزب العمال الكردستاني ليست بسر.

جاء الربيع العربي ليعيد ترتيب الأوراق في المنطقة، وعادت أنقرة لتكون قوة رئيسية إلى جانب كل من طهران والرياض وذلك على حساب كل من دمشق والقاهرة، فتصبح الأزمة السورية والمصرية الحلبة الأساسية للصراع بين القوى الثلاث.

تبدو تركيا غير مرتاحة لسياسيات إيران، فرغم التحسن الذي طرأ على العلاقات بين الطرفين في الفترة السابقة، إلا أن تعارض السياسيات تجاه الأزمة السورية قد وترها مجددا، ذلك أن تركيا تعد من أهم الداعمين للمعارضة السورية في الوقت الذي تشكل فيه إيران أهم داعم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد؛ مما رفع التوتر بين الطرفين حتى وصل الأمر أن اتهمت بعض وسائل الإعلام التركية إيران بالوقوف وراء أحداث حديقة غيزي وتفجيرات الريحانية وذلك لزعزعة استقرار البلاد.

دق تطبيع العلاقات بين واشنطن وطهران ناقوس الخطر في عواصم دول الشرق الأوسط الحليفة لأميركا وبالذات دول الخليج العربي خاصة بعد التردد الذي أبدته الإدارة الأميركية حيال الأزمة السورية، ورغم تأكيد الرئيس الإيراني حسن روحاني - ذو الوجهة الإصلاحية - على رغبة بلاده في علاقات صداقة مع دول الجوار إلا أن دول الخليج بقيت قلقة من التقارب الأميركي الإيراني، الذي قد يحسن وضع إيران في المنطقة ويمنحها يدا طولى في الخليج الذي تعتبره حديقة خلفية لها، حيث لازال لديها نسبة لا بأس بها من الشيعة في هذه الدول وقد أثبتت التجارب بأنها قادرة على تحريكها في وقت الأزمات لزعزعة استقرار دول الخليج.

كلما سبق قد يمنح تركيا دفعة سياسية في المنطقة، بالرغم من التوتر الذي شاب علاقتها بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على إثر دعم الأخيرتين (للقرار) الذي اتخذته المؤسسة العسكرية المصرية بعزل الرئيس المصري محمد مرسي، الأمر الذي سيدفع دول الخليج لحماية مصالحها من خلال التقارب مع تركيا واستخدامها كقوة توازن، مما قد يدفع بالتوتر بين إيران وتركيا إلى أقصى درجاته، فتصبح تركيا ودول الخليج والسعودية ومصر من جهة ضد كل من إيران وحزب الله ونظامين مهترئين في كل من العراق وسوريا من جهة أخرى.

وبذلك تتورط الدولة العلمانية التركية الحديثة العهد بأزمات الشرق الأوسط الدينية والمذهبية في مواجهة مع إيران.

الكثير من المؤشرات تؤكد على إمكانية حصول مثل هكذا تفاهمات، خاصة أن العلاقات التركية الأميركية والعلاقات السعودية الأميركية تعاني توترا شديدا، فمن الناحية التركية يبدوالتوتر واضحاً خاصة بعد التسريبات الأخيرة التي نشرتها كل من صحيفتي "وال ستريت جورنال" و"واشنطن بوست" الأميركتين والتي تتهم رئيس الاستخبارت التركية حاقان فيدان بتسريب معلومات للاستخبارات الإيرانية أدت إلى اعتقال شبكة تجسس إسرائيلية، كان قد زرعها الموساد في إيران، إضافة إلى الانزعاج الذي أثارته صفقة الصواريخ الأخيرة التي فضلت تركيا أن توقعها مع الصين بدل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

أما من الناحية السعودية فقد ألقى التقارب الأميركي الإيراني بثقل كبير على العلاقات السعودية الأميركية خاصة بعد تصريحات رئيس الاستخبارت السعودية الأمير بندر بن سلطان الذي أبلغ مبعوثين أوروبيين أن المملكة ستجري تغييرا كبيرا في علاقتها مع الولايات المتحدة احتجاجا على عدم تحركها بشكل فعال فيما يخص الحرب في سوريا ومبادراتها للتقارب مع إيران.

وليس خفيا بأن العلاقات الدولية لا تقوم على أساس مذهبي أو ديني، وحدها المصالح تحرك كل شيء وإلا لما دعمت طهران حماس السنية أو أرمينيا المسيحية في وجه أذربيجان الشيعية، لكن لتحقيق المصالح لابد من حلفاء، ولتحقيق هذه التحالفات لا بد من تجييش عاطفي وعقائدي، فإن كان الاختلاف الرئيس بين المتصارعين هو المذهب فليكن،

وليدفع السوريون والعراقيون (حتى الآن) الثمن في كل مكان.


بالتعاون مع مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد

12