تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتعقب الصينيين خطوة خطوة

الصينيون يبدون قلقا متزايدا إزاء عمليات تسريب بياناتهم فغالبا ما تسجل الشركات أرقام هواتف المستخدمين والهويات والتموضع الجغرافي وتفضيلات الشراء.
الجمعة 2020/05/15
الأخ الأكبر في الصين يراقب الجميع

بينما يطرح موضوع استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لتعقب المصابين بفايروس كورونا في الغرب إشكاليات حقوقية ويثير الجدل بين المواطنين الأوروبيين، يتقبل الصينيون الإجراءات التي تتّخذها حكوماتهم لرصد حركاتهم وتعقب خطواتهم، ويرون فيها حماية لهم.

بكين- في مقابل القلق الذي تثيره في الغرب، تنتشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي لرصد مرضى كوفيد – 19 وتعقبهم إلكترونيا على نطاق واسع في الصين، حيث تجمع السلطات أصلا الكثير من البيانات الشخصية عن المستخدمين.

ولم تكن لدى السكان أيّ خيارات، إذ أطلقت هذه البرمجيات من دون طلب الإذن منهم أو استشارتهم. لكن الصينيين يَبدون غير معارضين بأكثريتهم لهذا النظام الذي يتعقبهم خطوة بخطوة.

تقول ديبورا لو الموظفة في شنغهاي والبالغة من العمر 30 عاما، إن “الوباء وضع خاص. لذا فإن الكشف عن تنقلاتي لا يضايقني. الأهم هي حياة البشر”.

ويستند التطبيق المطوّر من الحكومة الصينية إلى بيانات لتموضع جغرافي مقدمة من مشغلي الاتصالات، وهو يرصد التنقلات في الأيام الأربعة عشر السابقة، خصوصا في حال التوجه إلى منطقة مصنفة خطرة أو مخالطة مصاب بكوفيد – 19.

وثمة الكثير من التطبيقات المماثلة في الصين حيث سجلت 4663 وفاة بالوباء.

في بكين على سبيل المثال، لا يستخدم برنامج “هلث كيث” بيانات التموضع الجغرافي، بل مصادر معلومات أخرى بما فيها تذاكر القطارات أو الطائرات، وعمليات التدقيق في الهويات بالعاصمة أو فحوص الكشف المخبرية.

لكن ثمة قاسما مشتركا في طريقة استخدام هذه التطبيقات: فبعد التحميل، يدخل المستخدم اسمه ورقم بطاقة الهوية والهاتف وأحيانا الصورة. عندها يرسل البرنامج “رمزا صحيا” أخضر (في حال عدم وجود مشكلات صحية) أو أصفر (واجب الخضوع للحجر المنزلي) أو أحمر (واجب الحجر داخل فندق مغلق).

ويقول لي سونغ (37 عاما) وهو ممثل في شنغهاي “أظن أن أكثر من 99 في المئة من السكان يعتبرون أنها طريقة سليمة”.

فوارق ثقافية

إجراء بحث آلي
إجراء بحث آلي

كذلك تقول شارلوت وانغ (33 عاما) وهي محاسبة في بكين “الأمر لا يشبه سرقة من قراصنة المعلوماتية لرمز البطاقة المصرفية”.

يتيح تحديد التموضع الجغرافي إجراء بحث آلي عن الأشخاص الذين احتكوا مع مرضى، كما يسهل استئناف العمل والخروج من المنزل. ويُستخدم الرمز الأخضر كبطاقة مرور في المباني والمطاعم ومحطات القطارات وإلى متاجر، إذ يثبت أن حامله بصحة جيدة مبدئيا.

ويقول شوي شاوهوي الأستاذ في مركز البحوث بشأن البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في جامعة ووهان (البؤرة الأساسية للفايروس) “ثمة فارق ثقافي بين الصين والغرب. أكثرية الصينيين مستعدون للتضحية قليلا بخصوصياتهم إذا ما كانت في الأمر فائدة صحية فعلية”.

وفي فرنسا، ثمة انقسام بشأن تطبيق “ستوب كوفيد” للرصد عبر تقنية “بلوتوث”، وهي أقل انتهاكا للخصوصية من تحديد التموضع الجغرافي وتتيح للمرضى تنبيه الأشخاص الذين يصادفونهم من دون كشف الأسماء.

وفي الصين، لا تجمع التطبيقات البيانات الشخصية تلقائيا بل هي أدوات لعرض الرموز الصحية بعد جمع السلطات للمعلومات مسبقا عن طريق شركات الاتصالات والخدمات الصحية والشرطة.

وتؤكد بلدية بكين أن هذه البيانات “لن تستخدم إلا في مكافحة الوباء”، مشيرة إلى أنها لا تطّلع إلا على اسم الشهرة والرقمين الأخيرين من بطاقة الهوية.

غير أن شوي شاوهوي يوضح “في نهاية المطاف، من يملك نفاذا إلى هذه البيانات؟ هل هي تحت رحمة قرصان المعلوماتية؟ هذا صلب المشكلة لدى الناس. الدولة نفسها لن تبيع هذه المعلومات. لكن ثمة دائما خطر قيام موظف حكومي بذلك لمنفعته الشخصية”.

تسريبات متكررة

الصينيون مستعدون للتضحية قليلا بخصوصياتهم إن كانت في الأمر فائدة صحية فعلية
الصينيون مستعدون للتضحية قليلا بخصوصياتهم إن كانت في الأمر فائدة صحية فعلية

مع الطفرة الكبيرة في خدمات التجارة الإلكترونية، يُبدي الصينيون قلقا متزايدا إزاء عمليات تسريب البيانات. وغالبا ما تسجل الشركات أرقام هواتف المستخدمين والهويات والتموضع الجغرافي وتفضيلات الشراء.

وتشير جو لينا الأستاذة في جامعة البريد والاتصالات ببكين والمتخصصة في حماية البيانات إلى أن “الصين لا تزال بلا قانون أو تشريع مخصص لحماية البيانات الشخصية”.

غير أنها تذكر بأن الترسانة التشريعية توسعت في السنوات الأخيرة، خصوصا مع قانون بشأن الأمن الإلكتروني، صدر في 2017 للحد من انتهاكات عمالقة الإنترنت. إلا أن هذه التشريعات لا تحد حقيقة من قدرة الحكومة على النفاذ إلى البيانات الشخصية، بحسب جيريمي داوم، المتخصص في القانون الصيني في جامعة يال الأميركية.

ويقول داوم “خلال تحقيق جنائي على سبيل المثال، لدى الشرطة صلاحية هائلة لجمع المعلومات”، مضيفا “القانون ينطلق من مبدأ أن عمليات التدقيق الداخلية غير كافية لمنع انتهاكات الدولة”.

ولا تغير هذه التطبيقات الصينية الكثير على صعيد النفاذ إلى البيانات الشخصية. ويوضح الأستاذ الجامعي شوي “ثمة كاميرات مراقبة في كل مكان. فعندما تستخدمون بطاقاتكم المصرفية أو تذاكر السفر أو الهاتف الذكي مع خاصية تحديد التموضع الجغرافي، يمكن أن نعرف أمكنتكم”. ويضيف “مع نظام الرمز الصحي هذا، يمكن للدولة وضع يدها على هذه البيانات بسهولة أكبر”.

12