تطبيقات القتال والحروب تغزو البيوت العربية

أصبحت الألعاب الإلكترونية التي يطلقها تنظيم داعش بين الحين والآخر، عبر شبكة الإنترنت وبتقنيات تكنولوجية عالية، مصدرا لترفيه وتسلية الأطفال، بعدما نجح في الترويج لها، في محاولة لاستقطاب المزيد من الصغار للإيمان بفكره ونهجه وعقيدته، خاصة أن كل الألعاب التي أطلقها التنظيم حتى الآن تظهره كأنه الأكثر قوة وشجاعة على هزيمة الجيوش النظامية للدول.
الخميس 2016/10/13
فقدان التعاطف والخوف عند مشاهدة سفك الدماء يخلقان شخصيات عدائية

لم تعد الكثير من المنتديات الحوارية ومواقع الإنترنت تخلو من عبارة “لعبة داعش الحربية والمثيرة المليئة بالأكشن والمغامرات والقنص واقتحام حصون الأعداء من الجيوش النظامية.. سنخوض المعارك ونتحدى جيش العدو بكل قوة وشجاعة من دون خوف وسنهزم الأعداء الخونة.. العب بداعش تكن الأقوى والمنتصر”، وتبدأ رحلة البحث لدى الأطفال والشباب عن ألعاب التنظيم الإرهابي.

تعتمد إستراتيجية داعش لتجنيد الأطفال على تطبيقات الألعاب المنتشرة على الهواتف الذكية، حيث يستغل هوسهم بألعاب القتال والحروب ليبدأ في نصب شباكه والتواصل مع هذه الفئة العمرية عبر غرف الدردشة الموجودة داخل بعض تطبيقات الألعاب أو من خلال الرسائل الصوتية لتشجعيهم على القتال، وتوجيههم بعد ذلك لكيفية اللعب بـ“داعش” باعتباره الأقوى والأشرس، ثم يحثهم على تطبيق ما يحدث داخل هذه الألعاب وما يرونه من مشاهد مثيرة وعنيفة على أرض الواقع.

من أشهر الألعاب التي أطلقها التنظيم الإرهابي لعبة حديثة حملت اسم “صليل الصوارم”، وفيها يظهر علم التنظيم مصحوبا بخلفية موسيقية لأحد الأناشيد الجهادية، مع ترديد شخصيات اللعبة عبارة “الله أكبر” عند قتل أو تفجير الخصوم، وتعتمد هذه اللعبة على تقنيات عسكرية وطرق مواجهة الأعداء (وهي الجيوش النظامية للدول)، ويشرح لمستخدمي اللعبة كيفية أسر وذبح العدو، أو تفجير الحافلات العسكرية.

أما في لعبة “كول إف ديوتي 8” فيتمكن عناصر التنظيم من دخول اللعبة ومحادثة من يلعبها بوسائل مختلفة، سواء كانت صوتية أو كتابية عن طريق “الشات” مستغلين خبراتهم في استخدام التقنية ومواقع التواصل الاجتماعي، لحشد تعاطف الناس وخاصة الأطفال، أو لمهاجمة معارضيهم، أو حتى شرح كيفية وضع خطة داعشية للقضاء على عناصر الجيوش الأخرى.

في كل الألعاب، يكون عناصر داعش هم الأبطال، فيما العدو الضعيف من الجيوش العربية، وكل لعبة لها طبيعة تضمن مراحل عدة، تبدأ بالقتال، ثم التفجير فتحرير المناطق، يتقمص خلالها اللاعب دور أحد أفراد التنظيم الذي يقوم بعمليات قنص، واشتباكات، وسرقة السيارات، والذبح، وتفجير المساجد والمنازل، وخلال ذلك ينفذ عناصر التنظيم عمليات إرهابية ضد قوات عسكرية.

ويرى البعض من المراقبين أن هذه الألعاب تمثل بالنسبة إلى تنظيم داعش، عملية تجنيد مبكر من خلال استقطاب المراهقين المقبلين على الألعاب بشكل كبير في غياب رقابة الأسرة، عبر محاولة مخاطبة “اللا وعي” لديهم، كأن يتم إيهامهم بأن عمليات التفجير تبدو في غاية السهولة أو زعم أن المتعاطفين معهم كثيرون، فضلا عن أن مختلف الألعاب ترسخ لدى الأطفال والشباب المراهق عقيدة أن “داعش هو الأحق والأقوى” والجيوش النظامية هي العدو.

الأسرة خط الدفاع الأول في منع التلاعب بعقول المراهقين وأفكارهم وسلوكياتهم، وتجنب انحراف أخلاقياتهم الفكرية

قال طارق طلعت خبير البرمجيات وأمن المعلومات، إن التصدي لهذه التطبيقات، يمثل صعوبة بالغة على أي دولة، لا سيما أنها مرتبطة بشبكة المعلومات الدولية، ولا يمكن منع أو حظر محتوى بعينه دون حراك مجتمعي دولي يهدف إلى التصدي لهذه الألعاب لوقف تجنيد المراهقين أو تعاطفهم مع داعش، لأنه يظهر في كل ألعابه الإلكترونية أنه يسعى لنشر رسالة بعينها ترفضها الجيوش العدائية، كما أن نشر هذه الثقافة بين الأطفال الصغار يمثل “إرهابا فكريا” للمجتمع بأسره.

وأضاف لـ“العرب” أن ألعاب داعش بمثابة “مخدرات رقمية”، تهدف إلى أن يكون الطرف الذي يستخدمها “مدمنا عليها”، بالتالي لا يمكن الاستغناء عنها، وحتى إن لم يصل إلى حد الإيمان بها في حياته فإنه يتعاطف مع أصحابها، وهذا يزيد من نشر عقيدة الفكر المتطرف لتنظيم الدولة الإسلامية.

وطالب بضرورة أن يكون هناك توجه دولي أو على الأقل عربي لمواجهة التطبيقات التي يستخدمها داعش، سواء بإنشاء تطبيقات مضادة لها أو شن حملات إعلامية للتحذير من خطورتها على الدولة.

واتفق اللواء محمد نور، الخبير الأمني مع هذه الرؤية، من حيث إصدار تطبيقات تجهض مخططات تنظيم داعش التي تستهدف بالأساس استقطاب المزيد من الأطفال والشباب في هذه الفترة من خلال “سيرفرات” الهواتف المحمولة، التي تمتلئ بألعاب الفيديو و”البلاي ستشين” لتدريب الصغار على كيفية ارتكاب أعمال العنف في الشارع والانتقام من كل الذين يحملون الفكر المضاد لتنظيم داعش، معتبرا أن الإرهاب الإلكتروني خطير، لأنه يؤسس لجيش المستقبل من هذه الفئات الصغيرة.

وطالبت سعاد خليل، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، الأسر العربية بمتابعة أنشطة أبنائها على الأجهزة الذكية، قبل أن يؤمنوا بعقيدة هذا التنظيم ويصلوا إلى حد “فقدان التعاطف والمشاعر والخوف عندما يشاهدون مشاهد الذبح وسفك الدماء، ما يخلق بداخلهم شخصيات عدائية تسعى إلى الانتقام بسهولة من كل من يختلف مع فكرهم وعقيدتهم أو حتى الانتقام من الطرف الضعيف”.

وناشدت في تصريحات لـ“العرب” ضرورة أن تتبنى وسائل الإعلام العربية حملة موسعة للتحذير من الهجمات الإرهابية الإلكترونية والتعريف بخطورتها على استقرار المجتمعات.

لذلك تمثل الأسرة خط الدفاع الأول في هذه الحالة، لمنع التلاعب بعقول المراهقين وأفكارهم وسلوكياتهم، وتجنب انحراف أخلاقياتهم الفكرية، حتى لا يفاجأ الآباء والأمهات بأن في منزلهم “داعشيا صغيرا” يؤمن بفكر التنظيم ويعتبره قدوة له في حياته، وهذا ما يسعى إليه داعش لتوسيع دائرة انتشاره، وليس شرطًا أن يكون هذا الانتشار على أرض الواقع أو بالانضمام إليه، لكن يمكن أن يكون بتنفيذ مخططه والإيمان بعقيدته وقوته واعتباره المثل الأعلى في القوة والسيطرة والنفوذ.

21