تطبيق حد الحرابة ما بين صريح النص وسوء التفسير

ما تعيشه البلدان العربية والإسلامية من ارتفاع منسوب التشدد والغلو في الدين مرجعه عدم القدرة على إنتاج خطاب ديني يتماشى وحداثة العصر الذي نعيشه، ذلك أن التأويلات والتفسيرات لا زالت مرتبطة أشد الارتباط بما تحمله كتب التراث والتفسير من اجتهادات لا يمكن سحب تلاؤمها مع قضايا عصرنا، وهذا ما جعل العديد من المسلمين يعطون أنفسهم حق تطبيق الحدود منطلقين من آراء ابن كثير وسيد قطب المتميزة بالغلو والتشدد نافين بذلك دور الدولة، ما يفتح باب إلغائها وسيطرة العنف قولا وفعلا.
الجمعة 2015/06/12
تأويل التيارات الدينية للنص القرآني يحول المنطوق الديني إلى أداة عقابية

تبهت ملامح “الدولة” التي حلمنا بوجودها في مصر بعد خلع حسني مبارك. القانون يغيب ـ بتشديد الياء أو عدم التشديد حسب سرعة القراءة ونية القارئ ـ وتحل عشوائية غير سياسية، يصطنعها النظام السياسي، أو يراها ويغض الطرف عنها، في ثلاثة مشاهد تنتمي إلى ثلاث حلقات في المرحلة الانتقالية المستمرة منذ 11 فبراير 2011، ولا تبدو لها نهاية في القريب، لأن النظام يقف في منطقة الأعراف.. بين الديمقراطية والعسكرة، الحكم المدني والوصاية الدينية، إطلاق الحريات التي يقرها الدستور وانتهاك الدستور دون الإعلان عن الرغبة في احترامه أو الإصرار على إهانته.

مشهد 1: حين سقط مبارك كان الأمل في بناء “الدولة”، ولكن تراخي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وعدم أهليته للحكم، منحا ضوءا أخضر لـ”البلطجية” الذين مارسوا العدوان واللصوصية.

في عصر مبارك كان البلطجية يعملون لحساب الشرطة والاستبداد، وينالهم هامش من الفائدة. سقط مبارك ومعه هيبة الشرطة التي شعرت بالإهانة منذ الانكسار في جمعة الغضب.

كانت ترفض أداء مهامها في القبض على بلطجي يتم الإبلاغ عن قيامه بإرهاب آمنين لم يعودوا آمنين. اختفت الشرطة وتكاسلت، فواصل البلطجية عملهم مستقلين عن الاستبداد، ولجأ الأهالي إلى الدفاع عن الأنفس، بقتل المعتدين، والتمثيل بجثثهم لو استطاعوا إلى ذلك إليهم سبيلا، وقيل لهم إنكم تطبقون “حد الحرابة”.

مشهد 2: حين جاء محمد مرسي كان لما يقال إنه حد الحرابة سندا في حكم الإخوان المسلمين. في مارس 2013 وقعت جريمة في قرية محلة زياد (مركز سمنود بمحافظة الغربية)، حين اشتبه الأهالي في تورّط اثنين اتهما بخطف أطفال وجرائم أخرى، قبضوا عليهما، وفشل الشابان في إقناع الأهالي ببراءتهما.

وقضت الذهنية الجمعية بإدانة الشابين، فتعاون الناس على القتل، وتعذيب الشابين، وتعليقهما في أعمدة الإنارة حتى الموت، وقيل لهم إنكم تطبقون “حد الحرابة”.

ليس من مقاصد الشريعة الانتقام وإنما الردع والتهذيب، أما إنزال عقاب سياسي فلا يؤدي إلى إصلاح

مشهد 3: قبل أيام، وتحت حكم عبدالفتاح السيسي، جرى حادث دام في قرية السجاعية (مركز المحلة بمحافظة الغربية)، باعتداء جموع من الأهالي، بما أتيح لكل منهم من أسلحة، على رجل أدانوه بالزنا، وزيادة منهم في الورع انتقموا من الرجل بأن أوثقوه بالحبال، ومثلوا بجثته، وقيل لهم إنكم تطبقون “حد الحرابة”.

ثلاثة مشاهد تثبت أن مصر غارقة في الوحل، وليس هذا السلوك الوحشي إلا نتيجة طبيعية لاعتياد الغلظة في القول، والتحرش اللفظي والجسدي، وعدم استنكار القبح في الشوارع، وهي مظاهر تمهّد لاستئناس الدم، بحجة تطبيق ما يسمّى بأنه حد الحرابة، تطبيقا للآية رقم 33 من سورة المائدة “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم”.

ولكن الذين منحوا أنفسهم حق تطبيق ما يصفونه بحد الحرابة لا يختلفون عمّن يجتزئ من الآية رقم 43 من سورة النساء هذا النهي منتزعا من سياقه “لا تقربوا الصلاة”، لأن الآية التالية رقم 34 من سورة المائدة تكمل الآية السابقة “إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلمـوا أن الله غفور رحيم”.

يسهل على من ارتكبوا الجريمة أن يجدوا لأنفسهم مسوغا من تفسير “الإمام الحافظ عماد الدين” ابن كثير، وهو متاح في مكتبات مساجد مصر كلها تقريبا. وفي تفسير هذه الآية، وبعد كثير من التفاصيل والعنعنات يقول ابن كثير “وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة واختلفوا هل يصلب (قاطع الطريق) حيا ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح أو نحوه أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يسيل صديده في ذلك كله خلاف محرر في موضعه وبالله الثقة وعليه التكلان” (الجزء الثاني، صفحة 49، دار الحديث).

هذه التفاصيل، أعاذك الله، تنتمي إلى زمن آخر وجغرافيا أخرى، ولعل العصر الحديث وفّر بدائل عقابية تناسب ما بلغه العقل من تطور يليق بما كرّم الله به بني آدم وفضلهم على من خلق تفضيلا، فليس من مقاصد الشريعة الانتقام وإنما الردع والتهذيب، أما المبالغة في إنزال عقاب سياسي غالبا تحت راية الله كما جرى للحلاج وابن حنبل والسهروردي، فلا يؤدي إلى إصلاح، بقدر ما يحصن ملك الطاغية إلى حين.

ما تعيشه البلدان العربية والإسلامية من ارتفاع منسوب التشدد والغلو في الدين مرجعه عدم القدرة على إنتاج خطاب ديني يتماشى وحداثة العصر الذي نعيشه

لم يتخيل الذين طبقوا حد الحرابة أنهم يخدمون سلطة، وإنما شعروا بالزهوّ لتطبيقهم حدا معطلا، إرضاء لله، كما جاء في التفسير القريب إلى الأيدي.

أما سيد قطب فيذهب إلى ما هو أبعد، ففي تفسير هذه الآية يقول “ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله.. وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله؟ إنها تغتصب حق الألوهية وتدّعيه؛ فما لها تتحكك بقانون الله وتدعيه؟ إنما جزاء أفراد هذه العصابات المسلحة، التي تخرج على سلطان الإمام المسلم المقيم لشريعة الله، وتروّع عباد الله في دار الإسلام، وتعتدي على أموالهم وأرواحهم وحرماتهم.. أن يقتلوا تقتيلا عاديا أو أن يصلبوا حتى يموتوا (وبعض الفقهاء يفسر النص بأنه الصلب بعد القتل للترويع والإرهاب) أو أن تقطع أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى.. من خلاف” (الجزء الثاني، صفحة 879، دار الشروق).

تطبيقا لهذا الفهم البدوي القديم للنص القرآني، أفتى مجموعة من السلفيين الدعويين والتكفيريين في يونيو 2013 أمام رئيس مصر الإخواني الذي أعاد إلى ضعاف الإيمان والوطنية صورة الخلافة والإيهام، بأن الدولة أصبحت مسلمة، وبأن الشيعة “أنجاس” مفارقون لأهل السنة والجماعة، فما كان من بعض السذج الغيورين على الدين إلا تلقف الفتوى وترجمتها دماء “شيعية”، وكان التمثيل بأربعة من الشيعة المصريين في قرية جنوب القاهرة، سحلا حتى الموت، استنطاقا لسطور من التأويل القديم والحديث للقرآن الكريم، ولم يبال فقيه “وسطي” بإدانة الجريمة وقدوتهم في ذلك الشيخ محمد الغزالي “المجتهد الوسطي” الذي لم يترحم على الكاتب الأعزل فرج فودة، بعد قتله بفتوى من عمر عبدالرحمن.

ذهب الغزالي إلى ما هو أبعد من استكثار رحمة الله ـ التي وسعت كل شيء ـ على القتيل، فاغتاله مرة ثانية، حين شهد في المحكمة أن القتيل “كافر ومرتد… ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها.. وليس عليه عقوبة”، خطأ القتلة ليس في القتل، بل في الافتئات على الحاكم بالإنابة عنه في تنفيذ “العقوبة”.

فتح قوس المرحلة الانتقالية في 11 فبراير 2011 ولن يغلق إلا بسلطان القانون، في دولة مدنية لا يسارع مواطنوها إلى تنفيذ ما يظنونه “الشريعة”، لمجرد قراءة صفحات من تفسير ابن كثير أو سيد قطب.

13