تطلعات المصريين بين أيدي "لجنة الخمسين"

الثلاثاء 2013/10/22
محمد سلماوي: لا نتعامل مع مواد دستور 2012

يزاحم الحديث عن الفريق السيسي وترشحه للرئاسة في مصر، حديث من نوع آخر، يسلط الضوء على «لجنة الخمسين» وما تقوم به من تعديلات دستورية وكتابة دستور جديد، لما لها من أثر بالغ على مستقبل الحياة السياسية المصرية، وعلى تشكيل وجه المجتمع في مصر لعقود قادمة.

في معرض حديثه لـ»العرب» علّق محمد سلماوي، المتحدث الرسمي باسم «لجنة الخمسين» لتعديل الدستور المصري، على تصريحات الإخوان المسلمين، التي صدرت الأسبوع الماضي، بأن اللجنة تكتب دستورا «لا يوجد في مواده أي وجود للدين الإسلامي» معتبرا إياها «محاولات يائسة وبائسة لضرب الدستور قبل ولادته، رغم مشاركة الأزهر الشريف وحزب النور السلفي وعدد من المفكرين الإسلاميين في اللجنة».

وكشف سلماوي النقاب عن أن الإخوان المسلمين اخترقوا لجنة الخمسين من خلال أعضاء يحملون توجهات إخوانية، وينتمون إلى اللجنة كممثلين عن بعض النقابات التي يسيطر عليها التنظيم، لكنه رفض تحديد هذه الشخصيات أو ذكر أسماء. هذا الدستور تم تعليق العمل به بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

الجيش في الدستور

بعدها انتقل سلماوي في حواره لـ «العرب» للحديث عن الخلاف الحالي بين لجنة الخمسين والقوات المسلحة، ورغبة ممثليها في أن يصدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولمدة عشر سنوات من تاريخ إقرار الدستور الجديد، وإصرار اللجنة على أن لا تزيد هذه الفترة الانتقالية عن دورتين رئاسيتين (أي 8 سنوات) فقط، وأوضح أنه «لا تستطيع أية مفاوضات أن تحسم الجدل أو الخلاف خلال جلسة واحدة أو أكثر من جلسة، ولكن يتطلب التوافق حول هذه المواد ذات القدر من الحساسية عدة جلسات متتابعة، خاصة وأن القوات المسلحة هي من طلبت أن يكون تصديق المجلس الأعلى أولا شرطا لاختيار وزير الدفاع محدد المدة، وليست لجنة الخمسين هي من طلبت ذلك».

وفيما يتعلق بالجدل المتصاعد حول إجراءات محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري أشار إلى أن المادة السادسة من قانون القضاء العسكري المصري، التي كانت تنص على الحق في تحويل أية قضية إلى القضاء العسكري تم إلغاؤها «بطلب من القوات المسلحة، وهي ما تعد بادرة من قبلها للتوصل إلى اتفاق حول هذه المسألة. فعلى سبيل المثال تمت إحالة جميع المتهمين في قضية التعدي على دار الحرس الجمهوري إلى النيابة العامة المدنية بطلب من وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، رغم أن القضية ترتبط ارتباطا كبيرا بمنشأة عسكرية، على عكس كل ما ادعى به الإخوان».

جدل: دستور أم تعديلات

الجدل في مصر لم يتوقف فقط على المواد المتعلقة بالقوات المسلحة، التي تسيطر على مقاليد الأمور في البلاد الآن، ولكنه امتد كذلك ليشمل طبيعة عمل «لجنة الخمسين» نفسها، والمدى الذي ستذهب إليه في تعديل مواد دستور 2012، الملقب بـ «دستور الإخوان».

وأثارت قضية كتابة دستور جديد، التي طرحها بعض الأعضاء البارزين داخل اللجنة وقوى سياسية أخرى، أو تعديل بعض مواد الدستور القديم الذي ينص عليه الإعلان الدستوري الصادر عن رئيس الجمهورية المؤقت، جدلا كبيرة في الشارع السياسي المصري.

وقال سلماوي تعليقا على هذا الجدل إن «قضية كتابة دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي هي قضية مفتعلة، فلجنة الخمسين تهدف إلى كتابة دستور يتناسب مع المستقبل، فإذا تطلب هذا أن تتدخل اللجنة في جميع المواد المطروحة عليها بالتعديل أو الإلغاء، فلن نتردد في القيام بذلك».

وأشار «نحن لا نتعامل مع مواد دستور 2012 الذي وضعه الإخوان المسلمون، وإنما نبحث الوثيقة المقدمة من قبل (لجنة العشرة) المكونة من عشرة خبراء دستوريين وقانونيين، أدخلوا تعديلاتهم على مواد هذا الدستور، بعد إجراء مراجعة شاملة ودراسة دقيقة لمضامينها، بحيث خرجت الوثيقة بشكل مختلف تماما عن دستور الإخوان».

لكن في ما يتعلق بإشكالية تسمية الدستور التي من المتوقع أن تظهر كعنوان للاستفتاء الشعبي، وما إذا كان هذا العنوان هو «دستور جديد» أو «التعديلات على دستور 2012» أكد المتحدث الرسمي باسم لجنة الخمسين أن «الدستور خضع لتعديلات على مواده تقترب من 90 إلى 95 في المئة، وتعمدت اللجنة الإبقاء فقط على المواد التي تعتبرها من ضمن الثوابت الدستورية للمجتمع المصري، على الرغم من ذلك تم التدخل في هذه المواد سواء بالتعديل أو الزيادة، كمادة التعذيب، على سبيل المثال، تم تطوير صيغة كانت تنص على حظر التعذيب، إلى أن أصبحت تجرم هذه الممارسات».

وأضاف سلماوي «أن لجنة الخمسين لا تملك إلا أن ترفع مشكلة تسمية الإنتاج الذي ستخرج به إلى رئاسة الجمهورية، باعتبارها الجهة التي صدر عنها تكليف اللجنة بهذا التعديل، وصرح سلماوي بأنه ستتم مخاطبة رئاسة الجمهورية بوجوب تعديل شامل لهذه المواد الدستورية ، بما تنتج عنه وثيقة دستورية جديدة».

ثورة المثقفين

بانتقال الحديث من الجدل السياسي إلى الساحة الثقافية، ناقشت «العرب» مع سلماوي، الذي يشغل منصب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب، دور المثقفين المصريين في الحركات الاحتجاجية التي نجحت في إزاحة ثلاثة أنظمة متعاقبة في مدة زمنية لا تتجاوز الثلاث سنوات، ودور النخبة الثقافية في تحريك الشارع، وفي تقلبات المشهد المصري طوال تلك المدة.

وفي ما يتعلق بتبعية النخبة من المثقفين والسياسيين لخطوات الشارع السياسي وتحركات الجماهير، أشار سلماوي إلى أن «ذلك إن صح فهو لا ينطبق بالضرورة على المثقفين، فالمثقفون كانوا دائما أصحاب المبادرة، وكانوا قادة حقيقيين للثورة المصرية»، مذكرا بالزيارة التي قام بها شباب الثورة لمقر اتحاد الكتاب في القاهرة، لتقديم التحية على مواقف الاتحاد، الذي كان أول نقابة في مصر تعلن دعمها للثورة على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك يوم 26 يناير 2011.

وتابع «لا توجد هناك ثورة في العالم بدأت فجأة أو ولدت من لا شيء، وهو ما أكد عليه هؤلاء الشباب عندما قالوا إنه لولا كتابات مثقفي مصر، ما كان لهذه الثورة أن تكون. فعندما قامت الثورة الفرنسية، كمثال، اعتمدت على رصيد كبير من الزخم الذي أحدثته كتابات مثقفين مثل «مونتسكيو» و»ديتروه» و»فولتير» وغيرهم، وهو ما حدث في الثورة المصرية أيضا».

وأشار سلماوي إلى تحركات اتحاد الكتاب المصري في مواجهة نظام مبارك ومن بعده الإخوان المسلمين «الذي كان أول نقابة تؤيد ثورة 25 يناير، وتسحب الثقة من الرئيس السابق محمد مرسي، في الحادي والعشرين من يونيو الماضي، أي قبل اندلاع ثورة الثلاثين من يونيو ضد حكم الإخوان المسلمين، بنحو تسعة أيام، في جمعية عمومية كبرى دعا الاتحاد إليها، وكان لها دور كبير في التأثير على قرارات نقابات ومؤسسات أخرى للمجتمع المدني فعلت الشيء ذاته، ومهدت ليوم الحشد في 30 يونيو».

وأضاف في هذا الصدد «كما ناضل المثقفون على المستوى الفكري والمعنوي من خلال إسهاماتهم في الصحف والبرامج التلفزيونية، كانوا أيضا قادة لهذه الثورة على المستوى الحركي عندما نجحوا في تحرير وزارة الثقافة من سلطة الإخوان الممثلة في الوزير الإخواني، الذي لم يستطع الدخول إلى مكتبه بسبب اعتصام المثقفين».

ورحب أمين عام اتحاد الكتاب العرب بصعود مراكز ثقافية جديدة في المنطقة، بعد أن كان المخزون الثقافي والفكري متركزا فقط في الدول التي تتمتع بتاريخ ثقافي عميق كمصر والعراق وسوريا، قائلا «إنه من الخطأ النظر إلى الثقافة العربية على أنها حكر على المراكز الثقافية الكبرى، أو على مصر أو غيرها من الدول، لما في ذلك من إقصاء، و ضيق أفق، لا يعكس ثراء الثقافة العربية التي تتسع لتشمل جميع أقطار الوطن العربي.

6