تطمين الأقليات في سوريا يجذبهم مجددا إلى دائرة الفعل الثوري

الثلاثاء 2015/06/16

شهدت الثورة السورية منذ بدايتها، مشاركة واسعة من جلّ الأطياف التي تشكّل النسيج المجتمعي السوري، ولم يكن الدروز، وغيرهم من الأقليات الأخرى، بمعزل عن ذاك الحراك الثوري، حيث لم يتأخروا وانخرطوا مبكرا في تشكيلات الثورة السورية وفي التنسيقيات بكل تنوعاتها وكذلك في عمليات الإغاثة، وفتحوا مدنهم وأحياءَهم لاحتضان أبناء وطنهم ممّن شردهم القصف والتقتيل. لكن على الرغم من ذلك بقي الدروز في السويداء يلتزمون الصمت، ورغم أنّ ناشطي المدينة لم يتوقفوا عن المحاولات المتكررة من أجل إدخالها في نشاطات الثورة، شأن ما حصل في درعا على سبيل المثال، إلاّ أنّ مشاركتها بقيت خافتة وما تزال مواقف الأقليات فيها محترزة.

قبل انطلاق الاحتجاجات سنة 2011، بدا أنّ سوريا تشهد حالة وعي ديني، رغم ميلها في بعض الأحيان نحو الطائفة والقبيلة والمناطقية، تعلو بشكل مطّرد، وعندما اندلعت أحداث الثورة نظر إليها معظم السوريين وفق ذاك الوعي العام، وقد شذّ عن تلك القاعدة عدد من الشباب، من أبناء الطبقة الوسطى والمثقفين والمهتمين بالسياسة، الذين كانوا لا يعرّفون أنفسهم دينيا أو طائفيا، بل على العكس من ذلك كانوا يعرفون أنفسهم نفسه بالمواطنة، ويرفعون مطالب الحق في الحرية وضرورة الانتقال إلى مجتمع أفضل يضمّ الجميع.

وبالمقابل كان شباب الإخوان في الخارج يعرفون أنفسهم طائفيا، كما أنّ الشباب السلفي في الداخل لم يكن في البداية فاعلا أساسيا في الأحداث وكانت الهوية الدينية تغلب عليه أيضا. ولذلك فقد لعب الشباب “المواطني” دورا مركزيا في إطلاق الثورة، وشكل التنسيقيات الأولى، ورفع شعارا مركزيا مفاده “الشعب السوري واحد”.

وعلى الرغم من أنّ الوعي الشعبي العام كان وعيا دينيا أيضا، إلاّ أنه كان وعيا ذكيا، وقد قال كلمته منذ البداية عندما قال إنه “لا سلفية ولا إخوان”. فقد كانت الجماهير الثائرة ترفض النظام والإخوان وكل من لهم ميل طائفي بنفس الدرجة، فهو يريد تحسين حياته ولا يريد الانتقام من أحد، لا من العلويين ولا من الدروز ولا من المسيحيين ولا من الإسماعيليين، وهم ليسوا مشكلته بالأصل، فمشكلته مع النظام الذي فقّرهم وأذلهم وحوّل حياتهم إلى جحيم كامل بسبب سياساته الليبرالية الجديدة والانفتاح على الخارج دون مراعاة حياة الناس في مراحل الانتقال الاقتصادي العسيرة.

النظام بدوره لعب إعلاميا على مسألة الأقليات، قائلا بـ”أنّ ما حصل لا يعدّ ثورة، بل هو مؤامرة إمبريالية خليجية تنفذها جماعات سلفية تكفيرية إرهابية؛ وأنّ مصير الأقليات القتل، والثورة قادمة لقتلهم”، محاولا أن يُوهمهُم بأنّه عليهم إمّا الصّمت أو الانحياز له. وقد كان خطاب النظام واضحا، كما حاول أن يسلّح المتظاهرين في بداية الثورة (وقد رفضوا ذلك)، دفع بالسّلاح إلى كل من يرغب بأخذه ممّن يرغب بالوقوف إلى جانبه في معركته ضدّ من سماهم “الإرهابيين”، وشكل ما يسمى بـ”اللجان الشعبية” ولاحقا أطلق عليهم اسم “الشبيحة”، وبعدها “الدفاع الوطني”...

ومع احتدام أحداث الثورة وفي ظلّ التخويف الطائفي، بدأ الانقسام المجتمعي يتعمق، وبدأنا نشهد ظاهرة صمت الأقليات عن النظام رغم انحياز الأكثرية منها إلى جانب الثورة، وقد شذّت غالبية أغنياء سوريا عن هذا وذاك وانحازت إلى النظام، لا سيما أهالي مدينة دمشق وحلب، وحتى من شارك منهم بالاحتجاجات التي شهدتها الأشهر الأولى من الثورة عاد وتركها، أو هاجر أو لزم الصمت.

والهامّ هنا، أنّ الثورة لم تتوسّع في البلدات التي كان غالبية سكانها من الأقليات، فعلى الرغم من أنّ أهلها شاركوا وقاموا بمظاهرات صغيرة، إلاّ أنّها بقيت نخبوية في مدينة السلمية والسويداء والقامشلي، وكان من المستحيل أن يقوموا بذلك في اللاذقية وفي طرطوس، لأنّ النظام كان يفرض عليها سلطته الكاملة ويمنع أي تحرك شعبي بل وأي تحرك سياسي نخبوي.

وبالعودة إلى الدروز، وتحديدا في مدينة السويداء، فقد ظلّوا خائفين من المشاركة في الثورة، على عكس نظرائهم في إدلب الذين انحازوا للثورة بأغلبيتهم، ورغم كل تخوفاتهم من المستقبل، خرجوا في المظاهرات، واستقبلوا لاحقا أكثر من مئتي ألف نازح من مدينة درعا ويضاف إليهم 300 ألف من بقية البلاد.

أمّا الآن، ومع حالة الضعف الشديد التي يبدو عليها النظام، واحتمال خروج درعا عن سيطرته، فإن سكان السويداء بدؤوا يعلنون الكثير من المواقف الرافضة للنظام وللحركات الجهادية، وبالتحديد داعش وجبهة النصرة، وأضحوا يقيمون صلات قوية مع الجيش الحر في درعا. فهل يعني هذا أن التنسيق سيصل إلى تحالف ثوري ضد النظام؟

أغلب الظن أن الأمور لن تصل إلى تلك الدرجة، فمازال خوف الأقليات مستمرا، كما أنّ خطاب المعارضة لا يقدم لهم شعورا بالأمان، في ظل اشتداد شوكة الأصولية.

والثابت أنّ الدروز في السويداء، شأنهم شأن الأقليات الأخرى، سيغيرون مواقفهم أكثر فأكثر، كلّما أصبح خطاب المعارضة وطنيا وتطمينيا أكثر ويتضمّن رفضا لكل ميول نحو “الدولة الإسلامية”، وكلما تقلص حضور الجهادية. وهذا المحفّز وحده، هو الذي سيدفعهم للمشاركة الكبرى في الثورة وبناء سوريا الغد.

7