تطور أركان الخبر في وسائل الإعلام

الأربعاء 2015/09/30

ما زالت معاهد الإعلام تعلم طلبتها القاعدة التقليدية الكلاسيكية التي تحدد أركان الخبر في وسائل الإعلام “ماذا .. متى.. من .. أين ..كيف … إلخ! إلا أن تطور مصادر الخبر وانتشار تقنيات البث غير التقليدية خاصة الهاتف والإنترنت والفيسبوك، جعلت الفرد لا يلجأ إلى وسائل الإعلام الشائعة ليعرف ماذا وأين، فهذه يعرفها هو قبل صدور الجريدة أو ظهور نشرات الأخبار على شاشات الفضائيات. إنه يتابع الأخبار على وسائل الإعلام ليعرف أمورا أخرى بلا: ماذا حدث!

فما الذي يدفعنا إلى شراء جريدة نعرف أخبارها منذ الأمس أو متابعة نشرات الأخبار على التلفزيون وهي حدثت قبل بث النشرة ووصلت إلينا من قبل؟؟ ولماذ نفضل متابعة نشرات الأخبار على هذه القناة وليس تلك؟ ولماذا نشتري هذه الصحيفة وليس تلك؟

مما لا شك فيه أن الصحيفة أو المحطة التلفزيونية تحتوي على موضوعات متنوعة وصفحات وبرامج تتناول مختلف مجالات الثقافة والسياسة والاقتصاد والأدب والشعر والرياضة وغيرها كثير، إلا أن ما يعنيني هنا هو نشرات الأخبار، التي ينبغي في تقديري أن تتغير أولويات أركانها في وسائل الإعلام، فما دام المرء يعرف ماذا حدث ومتى وربما حتى أين، ما الذي يريد معرفته بعد ذلك من وسيلة الإعلام التي تقدم الأخبار؟

نحن نتحدث في الفنون الدرامية والروائية عن الحبكة والتشويق وتصاعد الأحداث إلى الذروة والبناء الدرامي القادر على شد الجمهور لمتابعة ما يجري أمامه، ويبدو لي أن هذه العناصر يجب أن تتوفر في صياغة الأخبار، ليس فقط السياسية وإنما عند الحديث عن أي حدث، حيث يجب أن يتم في سرد تتوفر فيه كل عناصر التشويق لضمان المتابعة وأن تتوفر فيه الشفافية والنزاهة لكسب ثقة الجمهور.

يبدو واضحا في مجال الأخبار أن كيف أصبح أهم من ماذا، فنحن نعرف ماذا من الأخبار السريعة قبل أن نقرأ الجريدة وقبل إذاعة نشرة الأخبار، نحن نعرف مثلا ماذا جرى للاجئين على الحدود الهنغارية والكرواتية والنمساوية وحتى ألمانيا، ولكن ما نريد أن نعرفه هو كيف حدث ذلك وما هي التفاصيل الجديدة، وما نريد معرفته أيضا، هو لماذا تم ذلك هكذا وكيف وصل عشرات الألوف من النازحين إلى دروب الموت والخطر، وكيف ستسير الأمور وما هي التوقعات، وما هي التحليلات ووجهات النظر وما هو رأي المختصين. وهنا تبرز قوة الوسيلة الإعلامية ومصداقيتها ومصداقية مصادرها، وقربها من ميدان الوقائع، وتفردها بالمعلومات، أي أن الوسيلة الإعلامية الشاطرة والمهنية تقدم لنا الحدث في تقرير إعلامي تنويري كامل المواصفات، وأنا أرى في طريقة جريدة “العرب” في ما تنشره من تقارير إعلامية مثالا على ذلك، فهي لا تنشر الأخبار المجردة بالطريقة التقليدية ولا تقوم بمجرد إعادة تحرير ما هو منشور في صحف غيرها.

لقد غدت بعض وسائل الإعلام الجادة والرصينة والمهنية مصدرا لإيضاح الأسباب والعوامل المؤثرة على الأخبار ومجراها ونتائجها لما يتوفر لديها من مصادر ومحررين ومحللين مطلعين حقا، وهذا ما لا يتوفر في معظم وسائل الإعلام المألوفة التي تعاني من النمطية وغياب التميز لدى العاملين في إعداد نشرات الأخبار وتقديمها.

إن شح المهارات إضافة إلى محدودية التمويل والتخصيصات وخاصة في تلك القنوات التي نشأت في فوضى الإعلام، وتنافس بعض رجال المال أو السياسيين في إيجاد منابر إعلامية لهم بغض النظر عن المستوى والجدوى جعلتهم يلجأون إلى عاملين محدودي الإمكانات يستخدمون القوالب النمطية التقليدية وعدم تطبيق أفكار جديدة تتماشى مع التطور في فن تقديم الأخبار والبرامج الإعلامية المؤثرة، فالتقليد وضعف الابتكار والتجديد والنمطية في الإنتاج من أهم سمات العديد من القنوات العامة والخاصة التي فشلت في أن تكون أحد مصادر الأخبار التي يمكن أن يلجأ إليها المشاهدون ليعرفوا المعلومات المهمة والضرورية التي يبحثون عنها وراء كل خبر.

18