تطور العلاقات المصرية الروسية على وقع التفاعلات الإقليمية

منظومة التطبيع العربي مع إسرائيل تضع التفاهم بين القاهرة وموسكو على المحك.
الأحد 2020/11/01
التقاء المصالح

زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى موسكو حملت إشارات على تقوية الشراكة بين البلدين، ليس فقط في المجالات الاقتصادية، ولكن على المسار الدبلوماسي، وفي ظل التحولات المتسارعة في المنطقة بدءا من الملف الليبي، حيث باتت القاهرة طرفا حيويا في حل تمسك الولايات المتحدة بأغلب مفاتيحه، وكذلك ضمن مسار السلام الجديد في المنطقة، وهي ملفات تشعر موسكو فيها بأنها على الهامش، وقد تحتاج إلى دور مصر.

تسير العلاقات بين مصر وروسيا في الآونة الأخيرة داخل منطقة دافئة، ولم تصل الحرارة إلى مستوى مرتفع يؤكد عمق التحالف بينهما، أو تقترب من البرودة بما يشي بعدم الثقة، وظلت ترتفع وتنخفض ضمن الإطار الودي للعلاقات، التي أصبحت رهينة لطبيعة التطورات الإقليمية، وحاجة كل طرف للآخر، وعمق المصالح المشتركة.

وكشفت التفاهمات التي توصل إليها وزير الخارجية المصري سامح شكري مع المسؤولين في موسكو الجمعة، عن زيادة جديدة في درجة الحرارة، حيث أعلن عزم البلدين تسريع وتيرة تنفيذ مشروعات الشراكة الاستراتيجية بينهما، وهي عديدة وتخضع لحسابات كل جانب، ورؤيته لما يريده من الثاني، وينشط الحديث عندما تلتقي المصالح عند نقطة مشتركة، ويتراجع عندما تطرأ مستجدات تفرض التريث.

ففي كل لقاءات القمة أو ما دونها بين مسؤولين كبار في الدولتين، يشعر المراقبون بأن العلاقات باتت متينة، ثم يكتشفون أنها لا تزال ثابتة لم تبرح الأماكن التي تموضعت فيها، فحركة الطيران منذ سقوط الطائرة الروسية قبل خمسة أعوام متجمدة، والكثير من المشروعات التي جرى توقيع اتفاقيات بشأنها يتم تنفيذها ببطء.

وجرى تفسير البطء إلى وجود رواسب من عدم الثقة، ومخاوف من انحيازات كل طرف بسبب الغموض الذي يكتنف تصرفاته، فموسكو تتفاهم مع تركيا في ملفات ضد مصالح القاهرة، والأخيرة التي تتفاهم مع واشنطن تزعج موسكو، وهكذا تدور العلاقات في فلك يفتقر إلى قدر من الحسم النهائي.

المنهج الكلاسيكي

جاءت زيارة شكري إلى موسكو فجأة، وهو ما جعل دوائر كثيرة تربطها بتفاعلات إقليمية حديثة، وتوجهات يمكن أن تؤثر على التقديرات الاستراتيجية للبلدين، تحتم بلورة رؤية متقاربة للتعامل معها، في مقدمتها المنهج الأميركي الخاص بتوسيع نطاق العلاقات السياسية والتطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

يعني هذا التطور حدوث تحول كبير في المنهج الكلاسيكي الذي تتبعه موسكو في التعامل مع القضية الفلسطينية، والقوى الإقليمية المرتبطة بها، وتغير في الدور الجيوسياسي لمصر، وهو ما يتطلب قدرا من التفكير الرصين والاستعداد للتعامل معه، بالانخراط أو التقويض، لأن تداعياته وخيمة في خضم اللجوء إلى الانعزال.

ترسم التوجهات الأميركية خارطة سياسية جديدة، قد لا تجد فيها روسيا مكانا لدور يظهر قوتها الرمزية، حيث تهيمن واشنطن على مفاتيحها الرئيسية، وتوجَد بموجبها أنساق مختلفة من التعاون الإقليمي، لن تصب في صالح موسكو وحلفائها، الأمر الذي يلتقي مع هواجس القاهرة، حيث تشعر بعدم الارتياح من مغبة النتائج التي سوف يتمخض عنها جريان قطار التطبيع بسرعة كبيرة.

تخشى موسكو أن يقود التطبيع إلى ضيق هامش الحركة أمامها في المنطقة، وسحب عدد من حلفائها من تحت أجنحتها، بما تفرضه الرؤية الأميركية من أطر للتعاون وخلق شبكة مصالح، تؤثر على البعض، وتجبرهم على تغيير تقديراتهم السابقة.

قد يكون الشروع في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، له علاقة بمكونات السلطة في بيروت بشكل أساسي، لكن يستشف منه إمكانية تطويره والدخول في مفاوضات لترسيم الحدود البرية في مزارع شبعا، والتي تناور سوريا منذ فترة طويلة في تحديد تبعيتها لها أم لبنان، ولم تجب على سؤال وجهته الأمم المتحدة إليها لمعرفة الدولة التابعة لها شبعا.

نمط جديد من التحولات

موسكو تخشى أن يقود التطبيع إلى ضيق هامش الحركة أمامها في المنطقة، وسحب عدد من حلفائها من تحت أجنحتها

يفضي حسم هذه النقطة إلى انتهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل عمليا، بعد نزع الحجة التي يستند عليها حزب الله في المقاومة، وبما يوحي بأن العلاقات أصبحت طبيعية أو أقرب إلى ذلك، وما يترتب عليها من نتائج وضوابط عسكرية تتعلق بسلاح حزب الله، بالتالي نقل القضية إلى مربع يؤثر على توازنات روسيا في علاقتها بإيران، التي من المرجح تقليص نفوذها من خلال تقليص أوراقها الحيوية أولا.

يمكن شد الخيط السياسي على استقامته ليصل إلى سوريا، حيث تمكنت موسكو من الوصول إلى والاستقرار في المياه الدافئة من خلال سواحلها، وبدأ النفوذ الروسي المتنامي يهدد مصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

مع الانسداد الذي يخيم على حل الأزمة في سوريا قد تدخل واشنطن في صفقة معها على غرار الصفقة مع الخرطوم، وفيها دفع السودان ضريبة سياسية لرفع اسمه من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

يتيح وضع دمشق الصعب في الوقت الراهن عدم استبعاد التفكير في تقديم عرض شبيه بالعرض السوداني عندما تصبح الأجواء ناضجة، يقوم على حل أزمة هضبة الجولان وتطبيع العلاقات مع تل أبيب مقابل ضمان الحياة للنظام السوري، وحل مشكلاته مع تركيا والتنظيمات المتطرفة، والحفاظ على ما تبقى من وحدة أراضيه.

قد يرى البعض هذه الاستنتاجات بعيدة نسبيا، لكن الوقوف عند المعطيات التي رشحت حتى الآن جراء الرؤية الأميركية لصناعة السلام في المنطقة يتسق معها كثيرا، ويؤكد أن التطبيع مرحلة سوف تتلوها مراحل يمكن أن تغير من وجه المنطقة.

يغير الوصول إلى معادلة من هذا النوع مقاطع متباينة في الأوضاع الجيوستراتيجة في المنطقة، ويكبل التحركات الروسية في الشرق الأوسط، وربما تخرج إيران من سوريا خالية الوفاض، وما يصاحبها من تطورات درامية في المشهد الإقليمي.

تتقارب المخاوف المصرية من الروسية في مضمار التحولات الجيدة وروافدها، ويحتاج كل طرف إلى مساحة للمناورة السياسية، لأن القاهرة التي بدت مؤيدة للتوجهات الأميركية في مسألة التطبيع تتحسب من تأثيراته على دورها في المنظومة العربية، وبعد وقت قصير سوف تصبح مطالبة بتحديد خياراتها بصورة أكثر وضوحا من بعض القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، وتطوير العلاقات مع إسرائيل.

أسهمت عملية السيولة الزائدة بالمنطقة في تيسير تعامل كل من روسيا ومصر مع كثير من الملفات، ومكنت القيادة السياسية في البلدين من التعامل مع أشكالها المتناقضة، وهو ما انعكس على العلاقات المشتركة بينهما، ففي الوقت الذي يقترب فيه كل طرف من الآخر، تجده بعيدا بعد فترة قصيرة، حيث تتحكم المستجدات في توجيه الدفة، وتتجاوز القواسم السياسية والشراكات العسكرية.

تمخض رهن العلاقات بمجموعة من العوامل الخارجية عن حالة من التذبذب الخفية بين موسكو والقاهرة، فرغم عبارات الغزل المتبادل والانسجام في عدد كبير من المواقف في قضايا مختلفة، غير أن النتيجة لم ترق إلى مستوى التحالف العملي.

ربما لم تدخل العلاقات اختبارا جديا، أو ارتاح كل طرف لصيغة المراوحة التي تعني امتلاك درجة من المرونة للحصول على مكاسب أكبر، أو لم يحسم كل طرف خياره في وجود حالة من عدم الثقة الكاملة، وربما تتحسب القاهرة من مغبة رد فعل واشنطن إذا مالت كثيرا ناحية موسكو.

في جميع الأحوال، تطغى السياسة الهجومية على التوجهات الروسية لحماية الفضاء القريب منها، بينما تنتظر مصر إلى أين تمضي التصورات الإقليمية وتعيد ترتيب أوضاعها على هذا الأساس.

وبما أن التصرفات تسير نحو إحداث نقلة نوعية في واحدة من القضايا المفصلية في المنطقة، وهي القضية الفلسطينية والعلاقات العربية مع إسرائيل، فمن الضروري توسيع نطاق الحركة السياسية، والتفكير في بدائل مشتركة لدى كل من موسكو والقاهرة، تعكس حجم التلاقي بينهما في القضايا الاستراتيجية.

4