تطور الفنون قدر حتمي مرتبط بالذائقة الجمالية

يعبّر الفن دوما عن شيء يتميز به زمانه بوجه عام، كما يعبّر أيضا عن سمات إنسانية عامة معينة تتسم بها عصور كثيرة، وفي كل عصر من العصور يكون فن ما رجعيا ويكون آخر تقدميا، فإن في كل عصر من التنوع ما يفوق كثيرا ما يدركه الناس عادة. كما ظلت الكتابة الفنية عن تاريخ الفنون المختلفة تقريبا متخصصة تخصصا دقيقا في فن ما أو زمان معين أو مكان بعينه، وغالبا ما تتناول تقريبا فنانا بذاته أو عملا واحدا من أعماله، ومن الأمور المألوفة أيضا تحاشي المسائل النظرية الكبرى أو التعجل في نبذها.
الثلاثاء 2017/02/28
نظريات في تطور الفنون (لوحة تصور موسيقى عصر النهضة)

يعد كتاب “التطور في الفنون” للناقد الأميركي توماس مونرو، واحدًا من أهم المراجع التي عادة ما يرجع إليها الطلاب والباحثون في تاريخ الفنون والآداب، فلا يكاد يخلو بحث رصين في هذا الباب من الإشارة إليه؛ إذ عرض تاريخ الفنون، منذ نشأتها، كما تتبع مراحل تطورها، موضحا أسباب هذا التطور، والظروف التي أسهمت فيه، مستمدا من معرفته العميقة بتاريخ هذه الفنون ونشأتها، وطبيعتها، والظروف البيئية والاجتماعية، بل والسياسية التي أحاطت بها، منهجا في متابعة ورصد هذا التطور، وراصدا أيضا علاقة هذا التطور في الفنون بتطور الأفكار وتاريخ الفلسفة والعلم.

ووفقا لمونرو كان الفرض الخاطئ القائل بأن الدراسة الصحيحة يجب أن تقوم على التخصص الدقيق لا يزال ساريا، لكن المسائل الكبرى في تاريخ الفن والثقافة لم تكن شغلا شاغلا للدارسين. لذا فإن هذا الكتاب الذي وضعه مونرو عام 1963 وصدر بالعربية عام 1972 بترجمة محمد علي أبودرة، ولويس اسكندر جرجس، وعبدالعزيز توفيق جاويد، شكّل وقت صدوره عملا موسوعيا فريدا، ويعد الأهم من بين ما كتبه مونرو كأستاذ للفلسفة وعلم الجمال.

تطور الفنون

الكتاب الذي صدرت منه طبعة جديدة أخيرا عن سلسلة “ذاكرة الكتابة” والتي تصدرها “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، ليس مقصورا على مناقشة تطور الفنون، بل يسعى أيضا إلى إلقاء الضوء على الكثير من النظريات والمسائل المرتبطة به، مثل التأثير النسبي للعوامل الوراثية والاجتماعية والنفسية، كما يبحث التعاقبات والمراحل المتماثلة في شتى الفنون في مختلف الثقافات.

يردد نفس السؤال الذي تباينت الإجابة عنه مرات كثيرة، طيلة المئة عام الماضية، وهو هل تتطور الفنون بوصفها أجزاء من عملية أكبر ألا وهي عملية التطور الثقافي بصفة عامة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف وإلى أي مدى تتطور؟ وهذا بطبيعة الحال يتوقف على -وفقا لمونرو- تعريفنا أو تحديدنا للتطور، وستكون الإجابة المقترحة بالإيجاب إجمالا، مع الكثير من القيود والاستثناءات.

الكتاب يسعى إلى إلقاء الضوء على الكثير من النظريات مثل التأثير النسبي للعوامل الوراثية والاجتماعية والنفسية

وهنا يرى مونرو أن الفنون بالتأكيد تتطور، ولكن من بعض الوجوه لا من جميعها، وفي بعض الأزمنة والأمكنة، لا في كلها، وفي خطوط متنوعة، إن التطور اتجاه مهم أو عملية رئيسية في تاريخ الفن والثقافة ولكنه ليس الوحيد، وقد تناهضه أو تقهره في بعض الأحيان حركات مضادة.

وكما هو شأن بعض الأنواع من النبات أو الحيوان، قد تتطور بعض الأنماط الفنية إلى نقطة ما تقف عندها راكدة ساكنة، أو تتراجع عنها إلى أشكال أبسط. إن للتغيير في الفن بعض الخصائص التطورية التي يشترك فيها مع التغيير في سائر المجالات أو الميادين الثقافية، ولكن هناك كذلك فوارق مهمة بين الفن والمجالات الأخرى. ويمكن أن ينطبق القول نفسه على التطور الثقافي عامة بمقارنته مع التطور العضوي.

إن أطروحة التطور في الفنون التي تحملها نظرية مونرو في الكتاب تقع بين طرفين متباعدين أولهما أصحاب مذهب التطور في القرن التاسع عشر الذين ينظر إليهم على أنهم بسطاء جامدون، وثانيهما المتشككون المتطرفون الذين ينكرون كل تطور في الفن والثقافة، ويخطئ هؤلاء -وفقا لمونرو- في الناحية السلبية، قدر خطأ أولئك في ناحيتهم الإيجابية؛ فقد بالغ الفريق الأول في التشابهات بين الظواهر الثقافية وفي شمول التطور الثقافي وانتظامه، في حين يبالغ منكرو التطور في الفوارق أو أوجه الخلاف، وهم بنبذهم مفهوم التطور الثقافي يفقدون أداة ثمينة للتفسير والتنظيم في ميدان الفن، ويتجاهلون الاتجاهات الدائمة وضروب التكرار والتعاقب التي تظهر في تاريخ الفن إذا نظر إليه على نطاق واسع.

وفي تطور أسلوب معين كالعمارة القوطية أو موسيقى الباروك البوليفونية يستطيع المرء أن يتتبع تطور مختلف المكونات الثانوية، كالقباء الداخلية والنحت الخارجي في الكاتدرائية، وكالهارمونيا والكونترابنط، وتوزيع الآلات في الموسيقى.

كتاب يرصد علاقة الفنون بتطور الأفكار

القدرة الخلاقة

يلفت مونرو إلى أن هدم واستبعاد جوانب غير مرغوب فيها من القديم هما جزء ضروري من الحياة كلها، كما هو الحال في التمثيل الغذائي الجسمي، وقد تهدم هذه العملية قيما أكثر من تلك التي تساعد على خلقها، غير أن التطور الثقافي بمعناه الواسع يشمل جانبا تطوريا تعقيديا وجانبا تبسيطيا استبعاديا، وحين يسوء الجانب الثاني تتجه العملية كلها إلى الانحطاط.

يلفت مونرو إلى أن أوجه الشبه القائمة بين فنون شعوب لا رابط بينها تدل على وجود قدر من الحتمية الفطرية، وإن لم تكن ذات قوة قاهرة، والحق أن ثبات اتجاه عمليات الفن أو تغييرها يرتبطان ارتباطا عليا بالسمات البشرية الأساسية وكذلك بالعوامل البيئية، وغالبا ما ينحرف الفن والحياة نحو طراز متطرف أو آخر، ثم يتحركان لتصحيح التوازن.

والحق أن عاملا ماديا أو اقتصاديا في حياته أو عاملا اجتماعيا-جماعيا يكون على الدوام سيكولوجيا أيضا، وكل ما في الأمر أنه دور واحد مختار من أدوار قيامه بوظائفه الشعورية الكلية، فإن التضاد بينها أو الجدل حول أيها أعظم نفوذا يقوم عادة على ضرب من التبسيط الاعتباطي كما يحدث من تعريف العامل السيكولوجي بأنه لا ينطوي إلا على السمات التي هي أشمل وأعم سمات الفكر والسلوك. ولكي يتمكن الوضع الاجتماعي الاقتصادي من التأثير في الفن أو الذوق لا بد له أن يؤثر في تفكير الناس وبذلك يصبح عاملا نفسانيا بالإضافة إلى كونه عاملا اجتماعيا واقتصاديا، بل حتى الوراثة الفردية تعد إلى حد ما نتاجا اجتماعيا وثقافيا بفضل ما يحدث بين الناس من تزاوج وعادات زواج، على أن ما في الفرد من استعداد وراثي لا يتحقق إلا عن طريق تفاعل الفرد مع غيره من الأفراد ومع ما لهم من نتاجات.

ويرى مونرو أن القدرة الخلاقة العالية في الفنون وغيرها من الحقول الثقافية تحدث في صورة انبجاسات غير منتظمة، في جماعات معينة وفي أوقات معينة، وكثيرا ما يظهر عباقرة من مختلف الحقول في نفس المكان والزمان تقريبا. وهذا من شأنه أن يثير مسألة أخرى من مسائل العلية: ما الذي يجعل هذه الانبجاسات الخلاقة تحدث؟ ومتى تفعل ذلك وأين؟ وليست القدرة على الخلق والإبداع استثنائية إلى الحد الذي كان يُظن يوما ما، غير أنها يقينا متفاوتة في التوزيع التاريخي.

ولكي يتيسر للمرء أن يفسر ظهورها ينبغي أن يكون ذا قدرة على اكتشاف العوامل العلية أو المجموعات المركبة منها، التي تعمل بقوة غير مألوفة في أزمان وأماكن معينة، ولا شك أنه لا النظرية التطورية ولا نظرية الدور ولا النظرية الماركسية ولا أي نظرية حالية أخرى في التاريخ، كافية لتفسير الحقائق.

14