"تطور المجتمع السوري" إيجاز مبسط لتاريخ خطير

من الكتب القليلة التي تتناول تاريخ سوريا الحديث بدءا من أوائل القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، بما في ذلك مرحلة حكم حزب البعث والرئيسين الأسد الأب والابن، نجد كتاب "تطور المجتمع السوري: 1831 - 2011"، للكاتب السوري ابن حمص نشوان الأتاسي، والذي فصّل فيه أهم الأحداث التي وقعت في سوريا وأثّرت في تاريخها الحديث، وربطها بالأحداث التي جرت حولها، كما شخّص التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرّت بها سوريا وقاطعها مع التاريخ وعلم الاجتماع السياسي.
الخميس 2016/02/11
دمشق تاريخ حافل وحضارة عريقة

يبـدأ كتـاب “تطــور المجتمــع الســوري: 1831 - 2011”، الصادر، عن أطلس للنشر والترجمة في بيروت، لنشوان الأتاسي، بمقدمات تأسيسية موسّعة عن انهيار السلطنة العثمانية والثورة العربية الكبرى والانتداب الفرنسي على سوريا والنضال الوطني ضدّه، وصولا إلى الجلاء والاستقلال، ويتعمّق في تلك المرحلة التي نشأت خلالها كتل وطنية بأبعاد قومية، وأفرزت نضالات عسكرية وأخرى سلمية، وترافقت مع كثافة الاتفاقيات الدولية والتغيرات الداخلية العميقة.

الكتاب يعرض أهم الاستراتيجيات التي أسست تناقضات وبؤر انفجار في المجتمع السوري بما فيها تشويه العلاقة بين المدينة والريف والخلافات المذهبية والطائفية والإشكاليات المناطقية دون إهمال هيمنة العنصر الاقتصادي والصراعات الطبقية.

وفق زياد ماجد، الذي قدّم للكتاب فإن هذا العمل “يوجز دون تبسيــط تاريخا خطيرا، ويوفر لطــلاب العلـوم السياسية ودراسات الشــرق الأوســط المعاصر نصا يضاف إلى النصوص المختصة بالمنطقة، مع فارقين: واحد مرتبط بكم المعلومات المعروضة بسلاسة وغنى الإحالات إلى مراجع وأعمال تؤمّن زادا بحثيا ومعرفيا غنيا ومتنوعا، وآخر يستند إلى تجربة الكاتب”.

تلك المقدمات التي تشغل نحو نصف حيز الكتاب تُمهّد للنصف الثاني الأكثر أهمية برأي الكثيرين، حيث فترة ما بعد الانتداب الفرنسي وقيام الدولة السورية، وتبلور ملامح الحياة السياسية والاجتماعية السورية، وبدء الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية المتتالية، والوحدة مع مصر، والاصطفافات والخلافات والتحالفات بين العسكر والأحزاب والزعامات المحلية التي أدّت إلى هيمنة حزب البعث على المجتمع والدولة والسلطة، هيمنة وصفها الكاتب بأنها “انتداب ثان”.

خلال حكم أسرة الأسد تضاعف عدد أصحاب الملايين وظهرت طبقة برجوازية جديدة اغتنت عبر الفساد ونهب المال العام

خلخلة النظام

يقسم الكاتب مرحلة البعث إلى ثلاث مراحل، تخللتها تبدلات في القيادات وفي الهويات المناطقية والطائفية للضباط البعثيين، ومن ثمة تبدلات وتغيّرات قسرية في كل القيادات السياسية، وخلخلة للنظام الاجتماعي لصالح هيمنة طائفة ومن ثمّ أسرة واحدة على الحكم تحت غطاء البعث.

يستعرض الكتاب مرحلة حكم الرئيس حافظ الأسد وتأثيره على الحرب الأهلية اللبنــانية، وعــلاقته بإيران، والاتحــاد السوفييتي ومن بعده روسيا، ومن ثمّ تطييفه الجيش والأمن، وصراعه مع أشقائه على السلطة وتأهيله لأولاده لوراثة الحكم، وهذه المرحلة بالذات هي من المراحل التي حاول الكثير من الكتاب السوريين تجنبها، غير أن الكاتب خاض فيها وفي وقائعها بتوسع معرّجا على الخمس عشرة سنة من حكم ابنه بشار الأسد، ومن ثمّ إلى السنتين الأخيرتين من الثورة السورية وتشكيل تنسيقياتها وتياراتها السياسية وعسكرتها.

استعرض الكاتب هذه المرحلة وشرح أسباب نموّ الفساد واستشرائه في الدولة ومرافقها بعد حرب 73، والقبضة الأمنية الحديدية التي أصبحت من أهم ركائز النظام جزءا عضويا منه، مؤكدا على أن الفساد ليس ظاهرة متفشية على هامش تركيبة النظام فحسب بل في صلب تكوينه وهو سبب جوهري لبقائه، ويشير في هذا الخصوص إلى ظهور طبقة برجوازية جديدة اغتنت عبر الفساد ونهب المال العام، وكيف تضاعف عدد أصحاب الملايين خلال حكم أسرة الأسد وما تبعه من اتساع للهوة بين هؤلاء وبين الغالبية العظمى من الشعب، وتأثير ذلك على انهيار قطاع التعليم العالي خاصة بعد أن أشرف عليه شقيقه رفعت الأسد، رئيس مكتب التعليم العالي، وقائد ميليشيا “سرايا الدفاع” الذي خرّب التعليم وأقحم الآلاف من الطلبة غير الجديرين في أهم الكليات العلمية.

كذلك يستعرض الكتاب علاقة النظام السوري السلطوية الإملائية ما بعد البعث بالمنظمات الفلسطينية، ورفعه شعار الصمود والتصدي والتوازن مع العدو الصهيوني كعنصر من عناصر شرعيته، ويتطرق في هذا الصدد إلى مفاوضات السلام مع إسرائيل، وموقف النظام السوري من اجتياح العراق للكويت وحرب الخليج، والتحسن السريع في العلاقة السورية التركية زمن الأسد الابن ومن ثمّ انهيارها بنفس السرعة.

كتاب يستعرض أسباب تشويه العلاقة بين المدينة والريف

يُعرّج الكاتب على استراتيجية الأسد الأب المستندة إلى جعل عدد كبير من مضموني الولاء ينتسبون إلى حزب البعث، وتزيينه الحكم بما عرف بـ”بالجبهة الوطنية التقدمية”، وإقراره لدستور منحه صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية كافة، جعلت منه شخصيا حاكما بأمره، ومن حزب البعث قائدا للمجتمع والدولة، وأيضا كيف حوّل تدريجيا سوريا إلى دولة أمنية تسيطر عليها فروع الاستخبارات وقوات الوحدات العسكرية الرديفة للجيش النظامي، كالحرس الجمهوري والوحدات الخاصة.

خرق الحظر

في الحقبة الراهنة يُوثق الكتاب أيضا لمحاولات تأسيس منتديات للمجتمع المدني وحلم البعض من المثقفين بترسيخ حرية الرأي والتعبير، وكيف وأد الرئيس الجديد هذه المحاولات، كما يتعرض الكتاب لـ”ورطة” اغتيال الحريري في لبنان التي أجبرت القوات السورية على الخروج منه والقيام بتغييرات عسكرية داخلية أطاحت بالرعيل الأول لتستقدم شريحة جديدة أكثر فسادا وطائفية، وكيف أن كل المحاولات للانفتاح على المجتمع الدولي باءت بالفشل.

لقد استند الكاتب على كمّ كبير من المراجع والأبحاث وضمّن الكتاب ملاحق ديموغرافية وجغرافية واقتصادية واستند إلى مذكرات الكثير من السياسيين السوريين الراحلين، وحاول أن يُقرّب تاريخ سوريا الحديث إلى القراء دفعة واحدة بأحداث متسلسلة كثيفة ومترابطة على مدة قرن ونصف دون تعقيدات أو محاولات لإخفاء حقائق أو أدلجتها.

والأتاسي في كتابه هذا تعامل مع التاريخ السوري بوصفه “ملكا للسوريين”، فهو حسب رأيه “يخرق الحظر المسدل على رواية الأحداث منذ 1970 من خارج سيرة النظام الرسمية، أي تلك النافية لوقائع ومستبدلة إياها بأخرى مخترعة لتناسب المشروعية المراد كسبها، وهو يعيد الاعتبار إلى مراحل من التاريخ (ولا سيما مرحلة الخمسينات)، والتي سعى النظام بعد تسيّد البعث إلى طمسها والتقليل من شأن مدلولاتها”.

14