تطوير الإعلام الديني في تونس يسحب البساط من المنابر المتشددة

المنصات الدينية بحاجة إلى إرساء المنهج العلمي في التفكير.
الخميس 2021/01/14
ضبط الإعلام الديني أصبح ضرورة

تعمل مؤسسة التلفزيون التونسي مع وزارة الشؤون الدينية على تطوير الإعلام الديني، في خطوة تعتبر محاولة للحد من تأثير المنابر الدينية الخاصة التي انتشرت في تونس دون معايير أو رقابة تحدد خطابها ونهجها، وبعضها يبث بطريقة مخالفة دون الامتثال للمعايير والشروط التي تنظم قطاع الإعلام.

تونس – أعرب لسعد الداهش الرئيس المدير العام لمؤسسة التلفزيون التونسي عن اهتمام المؤسسة بتطوير الإعلام الديني والاستعداد للعمل المشترك مع وزارة الشؤون الدينية وإعداد مشروع اتفاقية تنظم العلاقة بين الوزارة ومؤسسة التلفزيون الوطنية، في الوقت الذي تثير فيه وسائل إعلام دينية خاصة جدلا بسبب مخالفتها شروط البث ومحتوى الخطاب الذي تنشره.

واتفق الداهش خلال لقائه مع وزير الشؤون الدينية أحمد عظّوم، مساء الثلاثاء، على عقد جلسات فنية لنقاش بعض المقترحات واستعراض ملامح التعاون في العام الحالي وخاصة خلال شهر رمضان، وهو الشهر الذي يشهد إقبالا على القنوات الدينية.

ونظر متابعون إلى هذا التعاون على أنه خطوة في اتجاه حصر الخطاب الديني بالإعلام العمومي وسحب البساط من القنوات الدينية في القطاع الخاص، خصوصا أنه سبق أن أثير موضوع الإعلام الديني الخاص من قبل الهيئة العليا المستقلّة للاتّصال السّمعي والبصري “الهايكا” التي أصدرت قرارا في يونيو 2019 بحصر إسناد ترخيص إحداث واستغلال القنوات التلفزيونية والإذاعية الدينيّة للإعلام العمومي دون سواه.

وقررت الهيئة منع توظيف آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية في الاتصال التجاري استنادا إلى تقارير مرصد الهيئة وتحسّبا لظاهرة تفشي استعمال الدين في الإعلانات.

وعلّل رئيس الهيئة النوري اللجمي هذه القرارات بأنها جاءت إثر “رصد الهيئة لاستغلال بعض أصحاب وسائل الإعلام لقنواتهم التلفزيونية لخدمة مصالحهم الخاصّة”. واعتبر أنّ “القنوات الإذاعيّة الدينيّة لا يمكن أن تكون خاصة”. وأضاف “هذه القنوات الإذاعيّة الدينية يجب أن تكون تابعة للدولة لأن الدولة هي الراعية للدين”.

وزارة الشؤون الدينية تحتاج للاتفاق مع القنوات الدينية الخاصة لضبط الخطاب وإنهاء الفوضى في مجال الإعلام الديني

غير أن مشروع الاتفاقية بين وزارة الشؤون الدينية ومؤسسة التلفزيون التونسي يشير إلى التنسيق والتعاون لتطوير الخطاب الديني في الإعلام العمومي، دون أن تشمل القرارات التي ستصدر عنها القطاع الخاص، في حين يرى متابعون أن الوزارة تحتاج لعقد اتفاقيات مماثلة مع القنوات الدينية الخاصة لضبط الخطاب الديني وإنهاء الفوضى في مجال الإعلام الديني بإرساء المنهج العلمي في التفكير الديني وفي فهم النص الديني والوقوف على المقاصد الحقيقية للإسلام، ما يجعل الإعلام الديني مؤثرا وقادرا على الإقناع.

ومنذ سنوات انتشرت المنابر الدينية في تونس دون معايير أو رقابة تحدد خطابها ونهجها، وتحمي المشاهد من تأثيراتها السلبية، في ظل انتشار دعوات الفتنة والطائفية والفكر التكفيري، وهو ما جعل الحاجة ماسة إلى تحرك الجهات المسؤولة لإيجاد حلول لمواجهة هذه المنابر.

وكثيرا ما أصدرت الهايكا قرارات بمحاسبة وسائل إعلام دينية لمخالفات ارتكبتها، كان آخرها نهاية ديسمبر الماضي، بإحالة مخالفة جسيمة سجلت في أحد برامج إذاعة القرآن الكريم التي تبث بصفة غير قانونية للنيابة العمومية، وأوضحت الهايكا أن الخرق تمثل في خطاب نمطي تمييزي يقوم على إهانة كرامة المرأة من خلال تشييئها ما مثل انتهاكا صارخا لكرامة الإنسان والنيل من الذات الإنسانية.

وقرّرت الهايكا فرض عقوبة مالية على إذاعة القرآن الكريم وبلغت قيمتها 100 ألف دينار تونسي (حوالي 33 ألف دولار أميركي) بسبب بث فقرة إذاعية تضمّنت “ازدراء واحتقارا على أساس جندري”.

وبرزت الحاجة إلى ضبط الإعلام الديني من خلال تقديم بدائل تجعله أكثر تأثيرا وفاعلية، لاسيما في تحول العديد من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى منابر للهدم والاغتراب الديني وتأليب الرأي العام وتشويه صورة الإسلام.

وذكرت دراسة صدرت عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” أن شبكات التواصل الاجتماعي تضطلع بدور خطير في نقلها ملامح الحالة الدينية في تونس، يبلغ درجة عالية من القدرة على التأثير في الوضع.

Thumbnail

وقامت الدراسة بتحليل محتوى عينة من المدونات والحسابات والصفحات الدينية أو ذات الاهتمام بالشأن الديني، ما أظهر “فاعلية عالية للخطاب الافتراضي وتقلص مركزية المؤسسات الرسمية المكلفة بالترويج للخطاب الديني وسحب البساط منها، خاصة ما تعلّق بوظيفتي الدعوة والاستقطاب”.

وواجهت وسائل إعلام دينية أخرى أقل تشددا انتقادات أيضا بأنها لا تزال محدودة التأثير وغير قادرة على إثارة الحوار وطرح المشاكل واستقطاب الجمهور بسبب استخدام خطاب متكلس وتقليدي وغياب التكوين الأكاديمي في هذا الاختصاص. كما أنها تفتقر إلى رؤية واضحة حتى ترتقي بدورها وتساهم في عملية الانتقال الديمقراطي الذي يفترض التنوع والاختلاف ويرفض الأحادية والانغلاق.

ويقول مراقبون إن المواطن ملّ من نمطية البرامج الدينية المستهلكة ومن مضامينها المتكررة ومن الأساليب التقليدية التي تعتمدها وسائل الإعلام في إنتاج هذه البرامج واختيار أوقات بث لا تتماشى مع أوقات ذروة المشاهدة.

ويجب على مقدمي هذه البرامج الاجتهاد وتجديد خطاباتهم الدينية وعدم الاقتصار على السرد والتلقين، لاسيما في ما يتعلق بالأحداث المرتبطة بالمناسبات الدينية. كما يجب إعادة النظر في التوجهات الإعلامية والقيام بعملية نقد ذاتي قبل لوم المتفرج التونسي على لجوئه إلى القنوات الدينية المتطرفة.

ويركز الباحثون في المجال على أن الإعلام الديني يجب أن يقوم على الفهم والإقناع وليس على التلقين والتعالي والانفصال عن المجتمع والشباب وعلى التواصل الإلكتروني والمباشر بأدوات التواصل الجديد. وكذلك تجديد أشكال الخطاب والقطع مع اللغة القديمة والترهيب والتخويف المنفر للناس من الدين.

18